
الولد مكانش بيبص على باب الشقة لما أبوه دخل.. الولد كان بيبص على بلكونة الصالة!
في اليوم ده، قبل ما جوزي يدخل بثواني، كان فيه حد جوة الشقة.. حد استغل إن أنا كنت في المطبخ، والتسلل للولد أو كلمة من البلكونة أو الشباك، وزرع في قلبه الرعب ده، وحذره إن لو جوزي دخل والأب قرب من الولد أو الولد حكى حاجة، الأُم هتتدفع التمن!
جوزي مسح دموعه بسرعة، وتحول ملامحه من الأب المكسور للراجل اللي مستعد يهد الدنيا. مسك العلبة بكتة حذرة، ونزل بص في كعب العلبة من تحت.. كان فيه كلمة واحدة مكتوبة بخط يد رفيع واسود:
“سهلة أوي أدخل تاني.”
أبوه وقف وقفل قبضة إيده لحد ما معاصمه ابيضت. جه دكتور الأطفال اللي كان مدعو في الحفلة وقرب ببطء، وقال بنبرة حازمة: “يا أسعد، العلبة دي دليل جنائي. ممنوع حد يلمسها أكتر من كده، ولازم البصمات تتاخد. الطفل كان عايش تحت تهديد نفسي مباشر ومستمر، وده معناه إن المهدد كان قريب منه جداً وبيراقبه باستمرار عشان يضمن إنه يفضل ساكت.”
قريب منه؟
الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة.
مين قريب منا لدرجة إنه عارف تحركاتنا؟ عارف إن النهاردة عيد ميلاده؟ عارف ترتيب الهدايا لدرجة إنه يحط العلبة وسط الترابيزة والكل مشغول بالبلونات والتورتة؟
بصيت حوليا في الصالة.. القرايب، الجيران، أصحاب جوزي في العمل، أختي وجوزها، العمارة كلها كانت موجودة في الحفلة. كل الوجوه اللي كانت بتضحك من شوية، بقت بالنسبة لي متهمين. كل نظرة شفقة كانت موجهة للولد، بقيت شايفاها نفاق أو مراقبة!
جوزي مسك التليفون وإيديه بتهتز من الغضب، واتصل بالشرطة. وفي دقائق، كانت الشقة ملمومة بالضباط ورجال المعمل الجنائي. المكان اتقفل تماماً، ومحدش كان مسموح له يخرج من الصالة.
الضابط بدأ يجمع الشهادات، والعلبة اتأخدت في كيس بلاستيك شفاف. الضابط قعد على ركبه قدام ابني، وبدأ يكلمه بهدوء شديد: “يا بطل.. أنت شاطر جداً إنك استحملت كل ده عشان تحمي مامتك. بس دلوقتي بابا موجود وأنا موجود ومحدش يقدر يؤذيك. تقدر تقول لي.. عمو اللي قالك الكلام ده.. شفته فين أول مرة؟”
الولد بص لأبوه الأول، وأبوه هزله رأسه وهو ماسك إيده بضغط أمان.
الولد بلع ريقه، وشاور بصابعه الصغير ناحية بلكونة الصالة وقال بصوت يرتجف:
“هو مكنش عمو غريب.. هو كان بيجي يقعد معايا لما ماما تخش تنام الضهر.. وكان بيفضل يقولي إنه صاحب بابا الأنتيم.. وقال لي لو حكيت لبابا، هيجيب السكينة دي ويجي لماما وهي نايمة زي ما دخل الشقة من غير ما تحسوا…”
في اللحظة دي، عين جوزي اتسعت بذهول، والتفت ببطء شديد وبص لواحد واقف في آخر الصالة.. صاحب عمره وشريكه في المحل، الشخص الوحيد اللي كان معاه مفتاح الشقة الاحتياطي بحجة إنه جاره وأقرب صديق ليه!
اتجهت كل الأنظار في الصالة ببطء ناحية “خالد”، صاحب عمر جوزي وأقرب بني آدم لبيتنا. خالد كان واقف وشه أصفر زي الورقة، شفايفه بترتعش وعينيه بتهرب في كل الاتجاهات.
جوزي أسعد وقف ببطء شديد، ملامحه كانت بتتحول من الصدمة لشرار طالع من عينيه. خطى خطوة ناحيته وهو بيقول بصوت مخنوق ومكسور: “خالد؟ أنت يا خالد؟! أنت اللي عملت في ابني كده؟ ده أنت كنت بتاكل معايا في طبق واحد! ده أنا مأمنك على بيتي وعرضي ومالي!”
خالد رجع خطوة لوراء وركبه بتخبط في بعضها، وبدأ يصرخ بصوت هستيري: “والله ما أنا! الولد بيتخيل! أنت هتصدق عيل عنده سبع سنين وتتهمني أنا يا أسعد؟ ده أنا أخوك!”
في اللحظة دي، الضابط وقف بين جوزي وخالد بحزم، وشاور لرجال الشرطة يقفلوا الخروج. الضابط قرب من خالد وبص له بجمود وقال: “محدش يتكلم ولا يتحرك. المعمل الجنائي موجود، والعلبة اللي جت وسط الهدايا هيترفع من عليها البصمات فوراً، والتسجيل الصوتي هيتحلل نبرة الصوت فيه. لو مالكش يد، هتطلع، لكن لو الكلمة اللي قالها الطفل صحيحة.. مش هترحم.”
خالد أول ما سمع كلمة “البصمات والتسجيل”، انهار بالكامل على ركبه وبدأ يعيط ويبكي بشكل زي المجانين، ومسكت فيه حالة رعب ومش قادر ينطق.
الضابط أخد خالد على جنب ومعاه اثنين من المخبرين، وفي نفس الوقت المعمل الجنائي رفع البصمات من على العلبة وجهاز التسجيل الصوتي. وبعد أقل من نص ساعة، الضابط خرج من الأوضة وشايل في إيده أكياس الأدلة، وبص لأسعد وليا بجمود وقال:
“البصمات اللي على العلبة مطابقة تماماً لبصمات خالد. والجهاز التسجيلي متسجل عليه بصماته وهو بيحطه جوه الهدايا. المتهم اعترف مبدئياً.”
أنا وقعت على الأرض من الصدمة، وأسعد صرخ صرخة وجع واندفع ناحية خالد عشان يفتك بيه، بس الضباط مسكوه بالعافية. أسعد كان بيصرخ فيه وهو بينتحب: “ليه؟! عملتلك إيه؟ أنا قصرت معاك في إيه؟ ده أنا شاركتك في المحل وكتبتلك نص التجارة باسمك عشان تقف على رجلك! ليه تدمر حياتي وحياة ابني بالطريقة البشعة دي؟!”
خالد رفع وشه وكان مليان غل وحقد عمري ما شفته في بني آدم، وبص لأسعد وقال بنبرة مريضة:
“عشان أنت عندك كل حاجة وأنا معنديش! عندك الزوجة والبيت والولد والتجارة الناجحة، وكل الناس بتحبك وأنت الشريف الطيب! أنا كنت عايز أكسرك.. كنت عايز أشوفك مكسور وضايع ومش عارف السبب! لما لقيتك بتعشق ابنك، عرفت إن نقطة ضعفك هي الولد. استغليت مفتاح الشقة اللي معايا، ودخلت في يوم وأنت مش موجود، هددت الولد وحطيت السكينة على رقبتك وأنت نايمة يا نادية ورسمتله الكابوس ده في دماغه.. قولتله لو لمس أبوه أو اتكلم، هتدبح أمه. وكنت قاعد معاكم كل يوم بأكل وبأشرب وبشوفك وأنت بتموت بالبطيء وبضحك من جوايا!”
الكلام كان بيخرج منه زي السم. القرايب والضيوف كلهم كانوا في حالة ذهول وقرف من البشاعة دي. الضباط أخدوا خالد ونزلوا بيه على عربية البوليس وسط صراخ ودعوات كل اللي في الشقة عليه.
أنا أخدت ابني في حضني، والولد كان ماسك فيا وفي أبوه بكل قوته، كأنه كان محبوس في سجن مظلم وسنة كاملة من العذاب انزاحت عن صدره في لحظة. أسعد نزل على ركبه وجاب الولد في حضنه، وبقوا هما الاثنين بيبكوا، بس المرة دي دموع الفرج والراحة.. الولد رجع يحضن أبوه ويبوس وشه وهو بيبكي ويقول: “أنا بحبك أوي يا بابا.. متسبنيش تاني.”
الشرطة مشيت، والضيوف مشيوا، والشقة فضيت علينا إحنا التلاتة. كليتنا كنا حاسين إننا طالعين من كابوس طويل.. لكن وأنا برتب الصالة وبلم باقي الهدايا عشان ننضف المكان، لمحت حاجة وقعت من كيس خالد لما الضباط كانوا بيفتشوه قبل ما ينزلوا بيه..
ورقة صغيرة متطبقة أربع تطبيقات، ومكتوب عليها من بره ببنط عريض:
“الخطة (ب) – في حال انكشاف خالد.”
إيديا اترعشت وأنا بفتح الورقة، ولما قريت المكتوب جواها، قلبي وقف تماماً وعرفنا إن الكارثة الحقيقية مكنتش خالد.. خالد كان مجرد أداة في يد حد تاني أكبر وأخطر بكثير!



