
صوت الخبط على الباب كان بيعلى ويزيد بقوة، كأن اللي برة ناويين يكسروا الباب ويخلعوه من مكانه. الخشب كان بيترزع بعنف، وصوت الراجل الضخم رجّ أرجاء الشقة الضيقة: — افتح يا حسام! سامعني ولا لا؟ آخر كلام عندي، يا تفتح بالذوق يا إما هندخل حالا! حسام كان واقف وسط الصالة وعينيه بتلف حواليه بجنون، والمطواة الصغيرة اللي في إيده كانت بتترعش. بص لي نظرة كلها خوف وندم، وقال بصوت مهتز:
— أميرة.. خدي جنى حالا وادخلوا الأوضة اللي جوة.. اقفلوا على نفسكم بالمفتاح وماتفتحوش مهما حصل!
مسكت دراع حسام بقوة ودموعي نازلة بغزارة، وصرخت فيه:
— اسيبك لوحدك؟! مستحيل! إحنا مش هنمشي ونسيبك! العِصابة دي مش هترحمك!
— اسمعي الكلام أرجوكي! حسام صرخ في وشي بصوت كسر قلبي: — لو دخلوا ولقوكم هنا هيموتونا كلنا.. دافعوا عن نفسكم وعن جنى.. أنا هحاول ألهيهم وأفتح لهم الباب عشان تشغلوا عقلكم وتهربوا من شباك المطبخ.. ده طوق النجاة الوحيد!
في اللحظة دي، الباب اتكسر بصوت مرعب! القفل الحديدي طار في الهوا، والباب اتفتح على مصراعيه. دخل تلات رجالة ضخام، أشكالهم ترعب، وعينيهم مليانة شر. أول ما شافوا حسام واقف وفي إيده المطواة، ضحكوا بسخرية.
الزعيم بتاعهم، راجل طويل وعريض وفيه جرح كبير على خده، بص لحسام وقال بصوت أجش:
— أخيرًا لقيتك يا حسام.. كنت فاكر إنك هتهرب بفلوس المعلم للأبد؟ وكمان مخبي البنت الحلوة دي هنا؟
حسام اتكلم بصوت عالي وهو بيحاول يتقدم قدامهم عشان يبعدهم عنا:
— ابعدوا عنها! الفلوس هجيبهالكم والله، بس ابعدوا عن بنتي ومراتي!
الراجل الضخم ضحك وقال:
— مراتي؟ هو أنت لسه متجوبش بالخبر؟ أميرة هانم دي طلقتها من خمس سنين، بس شكلها صدفة اللي جابتها لحد هنا.. طيب كويسة جداً، تبقوا العيلة كلها مع بعض!
أنا كنت واقفة مع جنى ورا الصالة، وماسكة بنتي من إيدها بقوة لدرجة إن صوابعي كانت وجعاها. جنى كانت كاتمة صراخها وبتبكي بصمت، وأنا حاسة إن الكابوس ده ملوش نهاية. فجأة، وبدون تفكير، حسام هجم على الزعيم بالمطواة عشان يدينا فرصة!
— اجري يا أميرة! حالا!
صوت حسام كان آخر حاجة سمعتها قبل ما أزق باب المطبخ وأنا شايلة جنى أو ساحباها ورايا بكل قوتي. جريت على شباك المطبخ الصغير اللي كان بيطل على منور ضيق ومرتفع شوية. صوت الضرب والصراخ كان طالع من الصالة، وصوت حسام وهو بيقاوم بيتقطع.
طلعت جنى الأول من الشباك بكل ما أوتيت من قوة وساعدتها تنزل على ماسورة الصرف الصحي القديمة اللي كانت نازلة على الشارع الجانبي. وراها نطيت أنا كمان، ورجلي اتخبطت جامد في الحيطة ووجعتني وجع فظيع، لكن الألم ما فرقش معايا.. كان همي الوحيد إن جنى تفضل عايشة!
نزلنا للشارع وجرينا زي المعتوهين في الحواري الضلمة والضيقة، ومكناش عارفين رايحين فين. الهوا البارد كان بيخبط في وشنا، ورجلينا حافيين أو بالكاد طايلين الأرض. جرينا لحد ما لقينا تاكسي واقف في أول الشارع الرئيسي. خبطت على ازاز التاكسي بجنون، السائق فتح الباب باستغراب، فركبت أنا وجنى بسرعة وطلعت من جيبي كل الفلوس اللي كانت معايا، وصرخت فيه:
— أرجوك.. اتحرك! روح على أي قسم شرطة حالًا!
السائق بص لنا برعب من شكلنا ومن عياط جنى وهي حاضناني، وداس بنزين ومشي بسرعة العربية. طول الطريق وأنا باصة لورا، وخايفة لحسن حد يكون بيطاردنا، وقلبي بيتقطع على حسام اللي ضحى بنفسه عشان ننقذ.
لما وصلنا قسم الشرطة، دخلت وأنا بعيط وبصرخ في الضابط اللي على الوصية:
— الحقوني! جوزي بيتحاصِر من عصابة في شقة في منطقة كذا! وبنتي.. بنتي كانت مخطوفة ورجعتهالي!
الضابط اتفاجئ بملابسنا وبهدلتنا، وبسرعة طلب قوة شرطة وتحركوا على العنوان اللي قلته. ركبنا عربية البوليس مع ضابط كبير حاول يهديني، وكنت حاسة إن الساعات دي كأنها سنين.
لما وصلنا العمارة، كانت الدنيا مقلوبة. سيارات الإسعاف والشرطة مالية المكان. دخلنا العمارة وطلعنا الشقة اللي بابها كان مخلوع. لقيت حسام واقع على الأرض في الصالة، والجروح والدم في كل حتة في جسمه، ورجال العصابة كانوا ممسوكين ومكتوفين على إيد البوليس!
جريت على حسام وقعدت جنبه على الأرض، وحطيت راسه على حجرى، وعيطت بوجع:
— حسام! حسام اصحى أرجوك.. متسيبنيش.. جنى أهيه، رجعت لحضننا!
حسام فتح عينيه بصعوبة بالغة، وبص لجنى اللي كانت واقفة بتعيط جنبه وبتلمس إيده، وابتسم ابتسامة خفيفة ومريرة، وقال بصوت ضعيف جداً ومبحوح:
— سامحيني يا أميرة.. سامحيني على كل اللي فات.. المهم عندي.. إنكم كلكم بقيتوا أمان وخارج الخطر.. جنى رجعت لحضنك.. دي بالدنيا وما فيها..
في اللحظة دي، المسعفين وصلوا وجريوا شالوا حسام وركبوه عربية الإسعاف، وأنا وجنى ركبنا معاه. طول الطريق وأنا ماسكة إيده ومش مصدقة إن القدر لسه كاتب لنا فرصة تانية. حسام ضحى بحياته وعمره عشان يحمينا من شر العصابة دي.
دخلنا المستشفي، ودخل غرفة العمليات، وفضلنا أنا وجنى قاعدين برة على الكراسي البلاستيك، حاضنين بعض، بنترعش من البرد والخوف، لكن في قلبنا شرارة أمل جديدة إن مهما الليل كان طويل، فجر الحقيقة والحرية لا بد جاي.
أجواء المستشفى كانت مرعبة وثقيلة، الساعات اللي قضيناها قدام غرفة العمليات كانت بتمر عليا كأنها سنين طويلة من العذاب والترقب. كنت قاعدة على الكرسي البلاستيك الضيق، وجنى حاطة راسها على كتفي ونامت من كتر البكاء والإرهاق، وشعرها المنكوش مبلل بالعرق والدموع.
كل شوية أرفع عيني ناحية نور الغرفة اللي كان أحمر وثابت، وبدعي ربنا بكل خشوع إن حسام يقوم بالسلامة. صح هو غلط في حقي كتير، وسكت على كابوس مرعب ودمر حياتنا سنين، لكنه في النهاية ضحى بنفسه عشان ينقذ بنتنا ويرجعها لحضني. ماكنش ينفع أنسى إنه حارب العصابة دي لوحده عشان يحمينا.




