روايات وقصص

بنتي حكايات رومانى مكرم 2

فجأة، باب غرفة العمليات اتفتح ببطء، وطلع الدكتور وملامح وجهه كانت مرهقة وعليها علامات التعب. جريت عليه بسرعة، وجنى صحيت على صوت حركتي ووقفت جنبي وهي بتفرك عينيها بخوف، وسألته بصوت مرتعش:
— طمني يا دكتور! حسام عامل إيه؟ هو بخير؟!
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت هادئ:
— الحمد لله يا مدام.. الإصابات كانت بليغة وفي خطر على حياته بسبب النزيف والطعنات، لكن قدرنا نسيطر على الموقف في آخر لحظة. هو دلوقتي نقلناه العناية المركزة وتحت الملاحظة الدقيقة، وخلال ساعات هيعدي مرحلة الخطر.
حسيت إن جبل كبير انزاح من على صدري. نزلت دموع الفرح على خدودي، وبوست جنى اللي ضمتني بقوة وهي بتقول بفرحة طفولية:
— بابا هيعيش يا ماما؟ بابا هيرجع يلعب معايا؟
— أيوة يا حبيبتي.. بابا بطل وهيرجع لنا إن شاء الله.
في اللحظة دي، قرب منا ضابط الشرطة اللي كان معانا في العملية، ومعاه اتنين من العساكر. بص لي باحترام وقال:
— يا أميرة هانم، الحمد لله على سلامة البنت، والحمد لله إننا قدرنا نقبض على زعيم العصابة ورجالته متلبسين في الشقة، وهما اعترفوا بكل الجرائم، بما فيها التهديد والخطف، وجهات التحقيق بتستكمل الإجراءات دلوقتي. بس محتاجين منك إنتي وحسام أقوالكم الرسمية أول ما يقرر الأطباء إنه يقدر يتكلم.
هزيت راسي وقلت للضابط بصوت ثابت:
— تحت أمركم يا فندم، أنا جاهزة لأي حاجة المهم حقي وحق بنتي وحسام يرجع، والعصابة دي تنال جزاءها العادل.
مرت تلات أيام، وحسام اتحسن بفضل الله وخرج من العناية المركزة لغرفة عادية. في أول دقيقة دخلت عليه أنا وجنى، حسام بص لنا وعينيه مليانة دموع الندم والحب. حاول يقوم بس أنا جريت عليه ومنعته، وقعدت جنبه على السرير، وجنى طارت حضنته وبوست خده وهي بتقول:
— حمد الله على سلامتك يا بابا.. متسافرش تاني وتسبني لوحدي!
حسام ضمها لصدره بحنان الدنيا كلها، وقال بصوت مبحوح:
— مستحيل يا روح بابا.. مش هسيبكم تاني أبدًا، حقكم عليّ، سامحوني إني كنت جبان وخفت أكتر ما واجهت، بس ربنا سترها ورجعتولي.
بصيت له بحنان، وقلت له بصوت هادئ:
— خلاص يا حسام، اللي فات مات.. المهم إننا اتجمعنا تاني، وربنا ادانا فرصة جديدة نصلح فيها كل حاجة.
بعد أسبوع، حسام خرج من المستشفى، ورجّعنا بيتنا القديم في شبرا. صحيح الشباك والمكان كان بيفكرنا بالذكريات الصعبة، لكن فرحتنا برجوع جنى وتكاتفنا مع بعض نسّانا كل الجروح القديمة. حسام قدم كل المستندات والأدلة للنيابة ضد العصابة، واتقفل الملف ده للأبد بعد ما دخلوا السجن.
داليا طليقته السابقة اختفت تماماً من حياته أول ما سمعت بالقبض على العصابة، وما سألتش حتى عليه، وده أكد لنا إنها كانت مجرد ورقة في حياته وقت الأزمة.
وفي يوم الجمعة الصبح، واحنا قاعدين في الصالة بنشرب الشاي وجنى بتلعب بالأسورة الحمراء اللي كانت سبب في رجوعها، بص لي حسام وقال بصوت دافئ ومرتجف:
— يا أميرة.. تعبُتك معايا كتير، وعذبتك سنين.. هل ممكن تفتحي صفحة جديدة ونرجع زي الأول وأحسن؟
بصيت لجنى وهي بتضحك بصوت عالي، وبعدين بصيت لحسام، وابتسمت من قلبي لأول مرة من خمس سنين، وقُلت له:
— الصفحة الجديدة بدأت يا حسام.. والمهم إن عيلتنا رجعت كاملة ومافيش قوة في الدنيا تقدر تفرقنا تاني.
مرّت الشهور، وكأن الأيام بتغسل جروح الماضي العميقة. البيت اللي كان في يوم من الأيام ماليان خوف وقهر ودموع، رجع ينبض بالحياة والدفء من تاني. ضحكات جنى بقت تملى المكان، وكأنها بتعوض كل لحظة رعب وعزلة عاشتها في الأوضة المظلمة.
حسام اتغير تماماً؛ بقى راجل تاني خالص. التعب والمرض وتجربة الموت اللي مر بيها، خلته يعرف قيمة العيلة ونعمة الأمان اللي فرط فيها زمان بسبب خوفه وضعفه. مابقش يفارقنا لحظة، وكل وقته بقى مقسوم بين شغله بالحلال وبين إنه يعوض جنى عن كل يوم حرمها فيه من حضني وحضن العالم.
وفي يوم هادي من أيام الربيع، صحيت الصبح وبدأت أجهز الفطار زي كل يوم. لقيت حسام واقف قدامي في المطبخ، وماسك في إيده بوكيه ورد بسيط، وابتسامة صادقة مرسومة على وشّه.
بص لي بحنان وقال:
— صباح الخير يا أميرة القلب.. جاهزة لليوم الجديد؟
بصيت له بحب، وقلت:
— صباح النور يا حسام.. طول ما إنت وجنى جنبي، كل أيامي خير وبركة.
قرب مني ومسك إيدي، وقال بصوت مليان أمل وامتنان:
— عارف إن الكلمات ما ترويش كل اللي عانيتيه عشاني وعشان بنتنا، وعارف إن خمس سنين من عمرنا راحوا هدر، بس أنا عاهدت نفسي إني أخلي باقي عمرنا كله فرح وسعادة. عشان كده.. عايز أبدأ معاكي خطوة جديدة تثبت لكل الناس إننا رجعنا أقوى من الأول.
سألته باستغراب جميل:
— خطوة إيه يا حسام؟
ابتسم وقال:
— إيه رأيك نكتب كتابنا من جديد؟ فرح رسمي يجمعنا إحنا التلاتة قدام الدنيا كلها، ونقفل الصفحة القديمة بـ دبلة جديدة وفرحة حقيقية؟
في اللحظة دي، دخلت جنى تجري وهي بتضحك، وماسكة الأسورة الحمراء في إيديها، وقالت بصوت طفولي مليان حماس:
— أيوة يا ماما! وافقي! أنا عايزة ألبس فستان أبيض وأكون مرافقة في فرح بابا وماما!
ضحكت بصوت عالي ونزلت دموع الفرح على خدودي للمرة الأولى بلا خوف ولا وجع. حضنت حسام وجنى مع بعض، وقلت بصوت ماليان اليقين:
— موافقة يا حسام.. موافقة نبدأ العمر من جديد.
وبالفعل، بعد أسابيع قليلة، عملنا تجمع عائلي بسيط ودافئ يجمع جيرانا وأحبابنا في حارتنا بشبرا. كنت لابسة فستان بسيط، وجنى كانت منورة حوالينا زي الملاك بفستانها الأبيض، وحسام كان باصص لي بعيون كلها حب واعتذار.
لما المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، حسام باس راسي وقال في وداني:
— بحبك يا أميرة، وعمري ما هسيبك أبدًا.
رديت وأنا باصة لبنتنا اللي بتلعب بفرحة:
— وأنا يا حسام، عفا الله عن ما سلف.. المهم إننا اتجمعنا، وبنتنا في حضننا، وإن الليل الطويل مهما طال، فجره لا بد جاي.
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى