روايات وقصص

حكايات اسما السيد 2

السكون اللي نزل على الصالة في اللحظة دي كان أصعب من كل الصريخ اللي فات. الجملة وقعت عليهم زي الصاعقة.. عم جوزي بصلي وعينيه مبرقة، وحماتي اتجمدت مكانها وكأن الدم اتقطع عن عروقها، أما أحمد جوزي فرحت منه كل ملامح القوة ووشه أصفرّ زي الورق الميت.

عم جوزي قرب مني خطوتين ببطء، وصوته كان بيطلع بالعافية كأنه طالع من بئر مجهور:

أنتِ تقصدي إيه بالكلمة دي يا نور؟ تقصدي مين تاني غير سعاد؟!

بصيت لأحمد اللي كان واقف يترعش، وجسمه كله بيترجف من الخوف، وبعدين نقلت نظرتي لحماتي اللي كانت بتتنفس بالعافية وماسكة في حرف الدربزين بتاع السلم عشان ما تقعش.

قلت بهدوء شديد هز أركان الصالة:

أصل يا عمي.. لما بدأت أتدور ورا السر اللي خلى حماتي ومراتك يغطوا على بعض، اكتشفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد غيرة ستات أو طمع في ورث.. المسألة فيها أسرار متغافلة من زَمان.. من أيام ما الحفيد “المثالي” اتولد!

أحمد صرخ بصوت هيستيري وقرب مني وهو بيحاول يمسك موبايلي:

هاتي الموبايل ده! أنتِ اتجننتي رسمي! إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟! أنتِ عايزة تخربي البيت كله وتفصلينا عن بعض؟!

قبل ما إيده تلمسني، عم جوزي زقه بقوة لورا لحد ما أحمد خبط في الحيطة. عم جوزي بص لأحمد بنظرة مرعبة وقال بصوت يرعب:

إياك تلمسها! سيبها تتكلم.. خلي المخفي كله يظهر النهاردة!

حماتي نزلت على ركبها قدام عم جوزي وهي بتصرخ وبتبكي بانهيار:

يا حسام يخليك لأولادك ما تسمعلهاش! دي حية! دي جاية تهد العيلة وتنتقم عشان موضوع الخلفة! أحمد ابنك وحبيبك وأكبر حفيد في العيلة! دي عايزة تشكك في نسبة لعيلتنا!

بصيت لحماتي وقلت بكل ثبات:

أنا مش بشكك في نسبه ليكي يا حماتي.. أنا عارفة كويس إنه ابنك. بس السؤال اللي لازم عمي يسأله لنفسه وللمرحوم حماه.. هو أحمد فعلاً ابن “المرحوم” ابن العيلة الأكبر؟ ولا المرحوم كمان كان عنده نفس مشكلة ابنك.. واستعنتوا ببديل عشان يفضل اسم “الحفيد الكبيرة” عايش وعشان الورث ما يروحش للعم الأصغر؟!

الصدمة كانت أكبر من إن حد يستوعبها. سعاد مرات عم جوزي، اللي كانت واقعة على الأرض بتعيط، رفعت رأسها بذهول وبصت لحماتي. وسامح أخوها وقف مذهول ومش فاهم الحريقة اللي كبرت فجأة دي.

عم جوزي بص لحماتي وبقى يرتد لورا وكأنه شايف كابوس:

أخويا الله يرحمه؟ أخويا اللي مات وهو فاكر إنه ساب ورريث يمسك اسم العيلة؟ أنتِ عملتي فيه كده يا كوثر؟!

حماتي كانت بتشهق ومش قادرة تطلع الكلمة، بتبص لأحمد ولعم جوزي وللسقف، ومش عارفة تداري وشها فين. أحمد نفسه كان واقف مبهوت، القنبلة المرة دي ما كانتش مسددة لرجولته بس.. دي ضربت وجوده كله، هويته، واسمه اللي كان بيتباهى بيه قدام الناس كلها وجاي يذلني بيه.

أحمد بص لأمه وصوته بيرتعش كأنه طفل صغير:

ماما.. قولي لها إنها بتكذب.. قولي لها إن الكلام ده مش صح! أنا ابن بابا صح؟ أنا حفيد العيلة دي صح؟!

حماتي غمضت عينيها ونزلت رأسها للأرض.. وسكوتها في اللحظة دي كان أبلغ من مليون اعتراف.

سعاد ضحكت وسط دموعها بانهيار وغل:

هههههههه! طلعتي أحقر مني يا كوثر! طول السنين دي عاملة عليا الشريفة العفيفة وبترميني بالكلام، وأنتِ أصل البلاوي كلها! أنتِ اللي معلماني الطريق أصلاً!

عم جوزي مسك دماغه بإيديه الاثنين من كثرة الصدمة، وقعد على أول درجة في السلم كأن رجليه مش شايلاه. البيت اللي كان مبني على الهيبة والأصل والمستوى العالي، كان بيميل وبيتقلب قدام عينيهم في ظرف نص ساعة.

سامح أخو سعاد استغل حالة الذهول اللي الكل فيها، ومسك إيد أخته وقالها بصوت واطي:

يلا يا سعاد.. امشي معايا فوراً قبل ما الليلة دي تقلب بدم!

لكن قبل ما يتحركوا خطوة واحدة ناحية الباب، عم جوزي رفع رأسه، وعينيه كان فيها شرار تحول من راجل مصدوم لراجل جريح عايز يربط كل خيوط الجريمة دي ببعضها. وقام وقف، وطلع تليفونه من جيبه واتصل برقم، وقال بنبرة حسم مرعبة:

أيوة يا حارس.. اقفل البوابة الحديد الخارجية بالجنزير، ومفيش عربية ولا بني آدم يخرج من الفيلا دي لحد ما البوليس والدكاترة يوصلوا هنا!

وسكّت الخط.. وبص للكل وقال:

الليلة دي مش هتخلص إلا لما نعرف الحقيقة كاملة بالورق والتحاليل.. محدش هيخرج من هنا بريء!

وفي اللحظة دي، سمعنا صوت عربية بتفرمل برة البيت بصوت عالي جداً..

صوت الفرامل برة كان عالي ومرعب، وكأن اللي راكب العربية جاي يطير مش يسوق. الثواني مرت تقيلة على الكل، ومحدش كان قادر يتحرك من مكانه ولا ينطق كلمة.

الباب الخارجي اتفتح بخبطة شديدة، ودخل “طارق”.. الابن الأكبر لعم جوزي، والمتغرب برة مصر بقاله أربع سنين بيشرف على شركات العيلة في الخليج. طارق دخل بهدوم السفر، وشه شاحن من التعب والوجب، وعينيه بتبص حولين المكان باستغراب من منظر العيلة المترامية على الأرض والباب المقفول وسكوت الجميع.

طارق بص لأبوه وهو مستغرب:

في إيه يا بابا؟! الحارس قفل البوابة ليه بالجنزير؟ ومين اتصل بيا وقال إن البيت بيلعن ويقع وخلاني أقطع سفري وأجي على أول طيارة؟!

حماتي رفعت رأسها برعب، وبصتلي أنا.. وعرفت مين اللي اتصل بطارق ورجعه في الوقت ده بالذات. أنا كنت مجهزة كل حاجة، كنت عارفة إن طارق هو الوحيد في العيلة دي اللي عنده كلمة مسموعة، وهو اللي كان بيقف لحماتي وسعاد لما بيحاولوا يلعبوا في أوراق العيلة والشركات.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى