
بنتي جرتني على المحاكم عشان تاخد مني البيت والأرض والفلوس، وبتقول للناس: “أبويا خرف ودماغه راحت منه”! أول ما دخلت قاعة المحكمة في القاهرة، لقيت ولاء بنتي باصالي بابتسامة صفرا فيها قسوة عمري ما تخيلت إنها تكون عند البت اللي شلتها على إيدي. وجوزها سامح بصلي بترفّع وهو بيهز راسه، كأنه شايف حتة راجل عجوز مالوش لزمة ودخل مكان مش بتاعه.
كنت لابس الجلابية البلدي البسيطة، والجزمة القديمة، وماسك الطاقية في إيدي. شكلي كان يدي على فلاح غلبان وتايه، راجل كبر خلاص ومش فاهم الدنيا فيها إيه حواليه.
ولاء مالت على جوزها وهمستله بكلمتين. سامح ضحك ضحكة واطية وفيها غرور الدنيا، وهو متأكد إن القاضي في ثواني هيختم على ورقة حجر، ويديهم الجمل بما حمل: الأرض، والحسابات، والبيت اللي عشت فيه أنا والمرحومة مراتي 40 سنة بنبني في كل شبر فيه.
وفجأة… القاضي رفع عينه من الورق.
عينيه جات في عيني.
المطرقة اللي في إيده صوابعه اترعشت وهي مسكاها، والقاعة كلها سكتت حتة واحدة لما سمعوه بيقول بصوت مشدوه ومخضوض:
— يا نهار أبيض… سعادة المستشار فريد عبد الدايم؟!
الضحكة اختفت من وش ولاء في ثانية. وسامح حواجبه اتعقدت والدم هرب من وشه.
ولا واحد فيهم كان يعرف أنا مين قبل ما أكون “الراجل العجوز الساكت” اللي بيسقي الورد مع أذان الفجر ويأكل الفراخ في جنينته على أطراف البلد.
أنا اسمي فريد عبد الدايم.
عندي 70 سنة.
عشت في النيابة وسلك القضاء أكتر من 30 سنة بأكل القانون ونصوصه.
بس في عين بنتي الوحيدة، بقيت مجرد كراكيب وعجوز واقف في طريق قرشين حلوين.
حكايتي بدأت قبل الجلسة دي بـ 3 شهور، في عصر يوم خميس هادي…
من يوم ما سعاد مراتي راحت لربنا، والأرض والبيت دول بقوا كل حياتي. الكرسي الهزاز بتاعها مكانش اتغير، المريلة متعلقة جنب المطبخ، والورد اللي زرعته بإيدها حوالين البير لسه بيطل عليا. كنت بشرب قهوتي وبكلمها في سري، ومستنيها تطلع من الطرقة وتقوللي: “يا فريد، بطل تعمل فيها بطل وإنت كبرت خلاص.”
في اليوم ده، رحت أفتح صندوق الجوابات، لقيت جواب تقيل جاي من الحي. أول ما قريته، قلبي اتقبض ونفسي اتكتم. إخطار بالحجز على البيت والأرض بسبب متأخرات ضرائب!
الكلام مكانش يخش عقل. أنا لسه من شهر محول لـ سامح جوز بنتي 600 ألف جنيه كاش عشان يخلص الضرائب دي، وهو اللي كان ماسك كل أوراقي المالية من فترة. ولاء هي اللي كانت زقت عليا وقالتلي:
— “يا بابا إنت كبرت على دوخة البنوك والورق، وسامح ده رجل أعمال وبيفهم في الحاجات دي.”
وأنا عبيط… صدقتهم.
اتصلت ببنتي على طول، ردت عليا بصوت وراه دوشة مطعم غالي في الزمالك:
— “إيه يا بابا؟ أنا باكل مع صحابي دلوقتي، خير؟”
— “يا ولاء جالي جواب حجز على البيت! جوزك مادفعش الضرائب ليه؟”
سكتت ثانية وقالتلي ببرود:
— “يا بابا أكيد إنت فاهم غلط، إنت بقيت بتتلخبط في الجوابات اليومين دول. سامح مخلص كل حاجة.. بالليل هنجيلك.”
جم بعد المغرب بعربيتهم الفارهة. سامح دخل ببدلته اللي بتلمع وشايف نفسه، غرور الدنيا راكبه ومقتنع إن القرشين اللي حيلته يخلوا بني آدم أذكى من الخلق كلهم.
حطيت الجواب قدامه على الترابيزة: “فسرلي ده.”
حتى مامدش إيده يمسكه: “يا عمي فريد، الحي دول شوية موظفين فوضويين، أنا دافع الفلوس دي من أسابيع.”
— “خلاص، وريني الإيصال.”
ولاء تنفدت بضيق، كأنها بتتعامل مع عيل صغير غلس:
— “يا بابا إنت رجعت تشك وتخرف تاني؟ إنت بقيت بتنسى كل حاجة.. ده إنت إمبارح سبت الغاز مفتوح وكان زمان البيت ولع بينا!”
بصلتها وطلعت مني سكتة.
أنا بطلت أستعمل البوتاجاز ده من يوم ما سعاد ماتت، ومن شهور قاطع الميه والغاز من المحبس الرئيسي اللي بره البيت أصلاً! يعني البت بتكذب في وشي عينى ع عينك وبترتبلي مصيبة!
في اللحظة دي، الدم اتقطع في عروقي. بنتي بتبيعني وتشتري فيا.
كنت عايز أصرخ في وشها، كنت عايز أطردهم بره بيتي حافيين… بس وكيل النيابة القديم اللي مدفون جوايا صحي في ثانية. لو أكلت نفسي واتعصبت، هياخدوا عصبيتي دي دليل رسمي إني كبرت وخرفت!
عشان كده، وطيت راسي، وخليت إيدي ترتعش، وقلت بصوت مكسور وواطي:
— “يمكن… يمكن أنا فعلاً بقيت بتلخبط يا بنتي.”
ابتسامة ارتياح خبيثة اترسمت على وش ولاء وسامح، وبدأوا يكرروا كلام إن الذاكرة عندي بدأت تضعف وأن الأفضل أسلمهم إدارة شؤوني المالية والبيت.
بدأت أتحرك بمنتهى الهدوء والسرية لحماية حقوقي. أول خطوة كانت إنني نزلت كاميرات مراقبة صغيرة جداً مخفية في الصالة، مربوطة بشريحة خط وتطبيق على موبايل قديم شريته كاش ومحدش يعرف عنه حاجة. بقيت أمثل قدامهم إن الحالة بتسوء، أتأتأ في الكلام، وأسيب الكباية تقع من إيدي، وأبص للسقف بنظرات تايهة عشان أجمع أدلة على طريقتهم في استغلال ضعفي المزعوم.
وفي يوم، دخل عليا سامح ومعه ولاء. سامح حط أوراق كتيرة على الترابيزة وقال بصوت واثق ومستفز:
— “عمي فريد، دي أوراق تفويض إدارة عشان أعرف أخلص الحجز بتاع الضرائب ونحميك من البهدلة… بص هي ورق روتيني خالص، صممت المحامي يعملها عشان تريح نفسك.”
مديت إيدي المرتعشة، أخدت القلم بالبطء المفتعل، وفي لحظة ما سامح كان بيبص لولاء ويهز رأسه بنصر، استغليت إن عيني جات على الأوراق وقريت العناوين بنظرة خطف… مكانتش أوراق تفويض؛ كانت تنازل كامل عن الأرض وعقد بيع وشراء للبيت، ومقترن بطلب إقرار بعجز عقلي لتثبيت البيع دون علمي!



