روايات وقصص

بنتى حكايات رومانى مكرم 2

هدأت القاعة تماماً، ولم يعد يُسمع فيها إلا صوت أنفاس سامح المتسارعة ودقات قلب ولاء التي كانت تطرق في صدرها كـ الطبل. الوجوه التي كانت تبحث عن الشماتة منذ لحظات، تحولت إلى أقنعة من الذهول والصدمة. استرسلتُ بصوت جهوري ثابت، صوت الحاكم الذي يعلم مواضع الحروف ونصوص المواد التي صاغ بعضها بيده طوال عقود:

 

— “سعادة القاضي، بين يديك طلب حجر يُدعَى فيه أنني قد فقدت أهليتي العقلية. ولكن الأوراق التي أقدمها لعدالتكم الآن تحتوى على ثلاث مفاجآت لا تُرد:
أولاً: تقرير المعمل الجنائي الموثق، الذي يثبت تعاطي كميات متزايدة من مادة مهدئة تُحدث أعراضاً تتطابق مع التعب الجسدي، وكان يُسقَى لي يومياً في عقار مزيف.
ثانياً: التسجيلات الصوتية والمرئية بالصوت والصورة، المأخوذة من الكاميرات المخفية في بيتي، والتي توثق حديث المتهمَيْن الماثلَيْن أمامك وهما يخططان لإعطائي هذه المادة لتقصير أمد القضية وتسريع وتيرة الحجر.
ثالثاً: عقد البيع والتنازل المزوران اللذان حاول المتهم الأول “سامح” إجباري على توقيعهما باستغلال حالتي الصحية، بالإضافة إلى الاستيلاء على مبلغ 600 ألف جنيه تم تحويلها رسمياً لحسابه لسداد متأخرات ضريبية فقام باختلاسها لحسابه الشخصي.”

في هذه اللحظة، قطعت ولاء الصمت بصرخة هيستيرية وهي تحاول الاقتراب مني:
— “بابا! أنت بتعمل إيه؟! أنا بنتك الوحيدة! سامح هو اللي زقني وهو اللي قاللي هنعمل كده عشان نحمي أملك!”

التفت إليها سامح بذهول ورعب، وصرخ فيها وهو يتراجع للخلف:
— “أنا؟! أنتِ اللي جيتيلي وبكيتي وقُلتيلي أبوكي كبر والفلوس بتروح في الأرض ولزم نلحق حظنا قبل ما يفوت الأوان! أنتِ اللي كنتِ بتمسكي الكبسولة وتحطيها له بنفسك!”

تعالت الأصوات في القاعة، وتحولت الجلسة إلى ساحة لتبادل الاتهامات بين الزوجين اللذين ظنا أن شباكهما قد أُحكمت على رجل عجوز لا حيلة له. كان كل منهما يلقي باللائمة على الآخر لينجو بنفسه.

رفع رئيس الجلسة المطرقة وضرب بها بقوة هزت المنصة:
— “سكوووووت! القاعة للانضباط فوراً!”

ثم التفت القاضي إلى الحرس المرابطين عند الباب الرئيسي وقال بصوت حاسم لا يحتمل التردد:
— “أمر من المحكمة: يُحفظ ملف دعوى الحجر، وتُحال الفلاشة وتقرير السموم والمستندات فوراً إلى النيابة العامة. إلقاء القبض على المتهمَيْن “ولاء فريد عبد الدايم” و”سامح…” من داخل قاعة المحكمة، وحبسهما أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهم التزوير، والتدليس، والاختلاس.”

اقترب الحرس فوراً، وتصاعدت أصوات الأغلال الحديدية وهي تتأرجح في أيديهم. تراجعت ولاء إلى الخلف وسقطت على ركبتيها وهي تبكي وتتوسل إليّ:
— “يا بابا ارجوك! سامحني يا بابا! أنا بنتك… امسحها فيا المرة دي، أنا اتعميت بالفلوس وسامح هو اللي غرّ بي!”

وقفتُ أمامهما بالجلابية البلدي البسيطة، وأمسكت بطاقيتي بين يديّ. لم تكن في عيني قطرة انتقام، بل كان يحمل قلبي حُزناً عميقاً على أب كُسر في آخر أيامه.

نظرتُ في عينيها مباشرة، وقلت بصوت هادئ، ولكنه كان أثقل عليهما من حكم السجن:
— “أنا سامحتك كأب يا ولاء… بس المستشار فريد عبد الدايم ميعرفش يسامح اللي بيزّور الحق. للقانون أحكامه، وللعدالة ميزانها… وأنا سلمتك للميزان اللي قضيت عمري أخدمه.”

سحب الحرس الاثنين خارج القاعة وسط صراخ ولاء وذهول سامح الذي انقطعت أنفاسه ولم يستطع التفوه بكلمة واحدة.

خرجتُ من باب المحكمة إلى شارع القاهرة المزدحم. الشمس كانت ساطعة، والهواء النقي ملأ رئتيّ لأول مرة منذ ثلاثة أشهر. ركبت سيارتي القديمة وعدت إلى البلدة…

وصلتُ إلى بيتي مع أذان العصر. فتحت الباب الكبيرة، ومريت من الطرقة الهادئة. جلستُ على الكرسي الهزاز الخاص بسعاد، وبدأت أهزه ببطء. نظرتُ إلى الورد الملفوف حول البئر، وإلى المريلة المعلقة في المطبخ… وقلتُ في سري بصوت متعب ولكن صافٍ:
“شفتي يا سعاد؟ السبع البرُمبة بتاعك لسه مفقدش أسنانه… بس البيت فضي عليا أوي يا أم ولاء.”

لكن… القصة لم تنتهِ هنا.

بعد أسبوع واحد فقط، وأثناء جلوسي في الجنينة، سمعتُ صوت طرقات متسارعة على الباب الخارجي. عندما فتحتُ، وجدتُ محامياً شاباً يقف بملامح متوترة وهو يحمل حقيبة جلديّة ثقيلة، وقال لي بصوت خفيض:
— “حضرتك المستشار فريد عبد الدايم؟ أنا جاي من طرف القضايا الشائكة… سامح وولاء مش شغالين لحسابهم يا فندم، الفلوس والأرض بتوعك كانوا مجرد جزء صغير من شبكة استيلاء كبيرة في القاهرة… والناس دول عرفوا إنك حبستهم، وجايين يخلصوا الملف بطريقتهم!”

سكت المحامي الشاب لحظة وهو بيمسح العرق من جبهته، ونظراته بتتحرك بيني وبين الطريق الزراعي الفاضي ورايا. كمل كلامه بصوت واطي ومتقطع:
— “يا سيادة المستشار، سامح مكانش غير مجرد واجهة وأداة صغيرة في أيدين شبكة كبيرة لتزوير العقارات والاستيلاء على أراضي كبار السن والمستشارين المتقاعدين. الشبكة دي وراها رجال أعمال ونفوذ في القاهرة، وسامح كان مديون ليهم بمبالغ ضخمة بعد ما خسر في البورصة. هما اللي خططوا لقصة إبعادي، وهما اللي جابوا الشخص الفاسد، وكانوا مستنيين إقرار الحجر عشان ياخدوا الأرض والبيت ويمسحوا ديون سامح!”

سكت المحامي، وطلّع من شنطته أصل ملف أسود حطه في إيدي:
— “ولاء وسامح محبوسين دلوقتي، والشبكة خايفة إن سامح يكر في النيابة ويعترف عليهم عشان ياخد تخفيف. العقل المدبر للشبكة دي راجل اسمه ‘نصر الباشا’… وبعتني أحذرك: يا إما تروح بكرة النيابة وتتنازل عن البلاغ وتطلع سامح وولاء، يا إما الملف ده يتقفل بطريقة تانية خالص…”

مسكت الملف الأسود بصرامة، وما اهتزتش مني شعرة. بصيت للمحامي الشاب بعينين ثاقبتين هديت رجفته:
— “يا بني… أنت جاي تهدد راجل قضى نص عمره بيبعت أشكال ‘نصر الباشا’ ده لعدالة القانون؟ روّح قول للي باعتك: فريد عبد الدايم مبيتهددش، والقانون اللي خدمت فيه 30 سنة مش هسيبه يتهان في آخر أيامي.”

المحامي مشي وهو بيبصلي بذهول وخوف، وكأنه شايف راجل بيواجه الحقيقة بشجاعة.

أول ما قفلت الباب، وكيل النيابة العتيق اللي جوايا اشتغل في ثانية. فتحت الملف الأسود تحت لمبة المكتب. القضايا والمستندات اللي فيه كانت كارثة حقيقية: أوراق مزورة، كشوف حسابات بنكية مسروقة، وأسماء ضحايا تانيين من شيوخ القضاء والأطباء المتقاعدين!

عرفت إن المعركة المرة دي مش مع بنتي وجوزها الغبي… المعركة مع حيتان كبار، وأنا معايا الدليل اللي يظهر الحقيقة.

مسكت التليفون القديم، وطلبت رقم مباشر محدش يعرفه غير الجهات المعنية في الدولة. رد عليا صوت فخم ودافي:
— “سعادة المستشار فريد بنفسه؟ يا أهلاً بيك يا فندم… خير يا باشا؟”

رديت بثبات:
— “أهلاً يا طارق يا بني… جهزلي مكتب النائب العام بكرة الصباح الباكر، ومعاك قوة خاصة. الأفعى الكبيرة اللي بقالكم سنين بتدوروا عليها في سوق العقارات والتزوير… أنا حاطط أدلة إدانتها قدامي دلوقتي.”

طول الليل، ما نمتش. قعدت على السفرة ومعايا القهوة وصورة سعاد الله يرحمها. كنت بعيد ترتيب الأدلة والأسماء ونصوص المواد القانونية، وأربط الخيوط ببعضها زي ما كنت بعمل زمان.

وعلى الفجر، سمعت صوت عربيتين دفع رباعي بيهدوا صوت موتورهم بره البيت. النور بتاعهم انطفى، وصوت خطوات مكتومة بدأت تقرب من السور الخشبي بتاع الجنينة… ناس مبعوثين من “نصر الباشا” جايين ياخدوا الملف للضغط على الراجل العجوز!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى