روايات وقصص

بنتى حكايات رومانى مكرم 2

ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ووضعت فنجان القهوة. وقفت عدل، وفتحت درج المكتب القديم، وغمزت لصورة سعاد وقلت:
“ادعيلي يا سعاد… الجولة دي مش دفاع عن حق فريد… دي تطهير للحق كله.”

مشيت بخطوات ثابتة ورا ستارة الصالة الثقيلة. الشباك الخشبي كان موارب، ولمحت عبر ظلمة الفجر خيالين بيتحركوا بمهارة بين شجر المانجو. كانوا فاكرين إنهم داخلين على صيد سهل… راجل عجوز وحيد ونايم في سريره.

لكنهم نسوا إن العجوز ده قضى عمره بيفهم دماغ المجرمين قبل ما يخطوا خطوتهم.

أول ما واحد فيهم حط رجله على عتبة الباب الخلفي للمطبخ، ضغطت على محبس الكهرباء العمومي اللي كنت معدل توصيلاته من إمبارح. في ثانية، انطلقت صفارات إنذار عالية جداً كنت خافيها في السقف، ومعاها كشافات طوارئ بيضاء قوية ضربت في وجوشهم وعمت عينيهم تماماً!

ارتبكوا وتراجعوا لورا بذهول، وفي لحظة الارتباك دي، خرجت من ورا الباب، وقلت بثبات يخلع القلوب:
— “مكانك أنت وهو! حركة واحدة وهتكون نهايتكم القانونية في المكان!”

تسمروا في مكانهم وزندهم اتجمد. النور العالي والصفارات مع منظر راجل عجوز واثق، خلت الرعب يأكلهم. وفي نفس اللحظة، اتفتحت أنوار آليات ضخمة بره السور، وصوت سرينات الشرطة غطى على صمت البلدة كلها!

دخلت قوات الأمن والعمليات الخاصة المكان في ثواني. اقتحموا الجنينة وسيطروا على العناصر المسلحة وضبطوهم متلبسين بالشروع في اقتحام مسكن.

دخل العميد “طارق” القاعة بخطوات سريعة، وأول ما شافني واقف، ابتسم بفخر ونزل رأسه احتراماً:
— “يا نهار أبيض يا سعادة المستشار! أنت لسه زي ما أنت… نسر القضاء اللي مبيغفلش! القوة أمنت المكان بالكامل يا فندم، والقبض على العناصر دي هيقفل القوس.”

اديت له الملف الأسود، وقلتله بنبرة هادية حاسمة:
— “الملف ده فيه كل الحسابات، العقود المزورة، وأسماء الشبكة بالكامل وعلى رأسهم ‘نصر الباشا’. يتحرز فوراً، ويتعرض على النائب العام مع البلاغ الجديد.”

في نفس اليوم الظهر، كان خبر السقوط مدوي في مصر كلها. القوات ضبطت “نصر الباشا” والعقل المدبر للشبكة وهو بيحاول يهرب بره البلد في مطار القاهرة، واستُرجعت أصول وممتلكات بمليارات الجنيهات لضحايا كتير كان تم التغرير بيهم.

أما ولاء وسامح… فكانت محاكمتهم عاجلة وجلساتها هزت الرأي العام. وقفوا في قفص الاتهام، وصدر على سامح حكم بالسجن المشدد 15 سنة بتهم التزوير والتدليس، وولاء صدر عليها حكم بالسجن المشدد 10 سنوات لمشاركتها في الجريمة واستغلال أهليتها.

يوم صدور الحكم، كنت قاعد في آخر القاعة بالجلابية البلدي. ولاء بصتلي من ورا حديد القفص وهي بتبكي بدموع ندم ممتزجة بالكسرة والذل. أنا مبصلهاش بشماتة… بصيت لها بعين أصلها مكسور، وسيبتها لمصيرها اللي اختارته بنفسها لما باعت دمها.

رجعت بيتي…

الشمس كانت بتميل للغروب، والهواء دافي وبيحمل ريحة الورد اللي حوالين البئر.

قعدت على الكرسي الهزاز بتاع سعاد، وبدأت أهزه ببطء وصوت الخشب القديم بيرد في أركان البيت الهادي. غمضت عيني واستنشقت الهواء العليل، وحسيت بروح سعاد بتطوف حواليّ، وكأنها بتقوللي: “عفارم عليك يا فريد… صنت الحق، وعلمتهم إن الشيبة مش ضعف.”

الحكمة من القصة:
العدل لا يشيخ: قد يضعف الجسد، وتتبدل الملامح، ويتراكم العمر… ولكن الحكمة والعدل والعقل النابه أصول راسخة لا تهزمها السنون، وطلاقة الحق أبقى من مكر الغادرين.

عقوق الأبناء مرارته تقتل، والقناعة كنز: الطمع يسكب الغشاوة على القلوب حتى يعمي المرء عن أقرب الناس إليه. من يبيع والده من أجل المال، يبع نفسه، والمال الحرام كالمياه المالحة؛ كلما شربت منها ازددت عطشاً حتى تهلك.

لا تستهن بالصامتين: ليس كل صامت غافلاً، ولا كل طيب غبياً. احذر من حلم الحليم إذا غضب، ومن خبرة الشيوخ إذا سُلت من أغمادها، فالأسد يظل أسداً ولو شاب مفرقه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى