
طوال الطريق إلى تلك القرية النائية، كانت ضربات قلبي تتسابق مع سرعة الميكروباص المتهالك الذي يستحث السير وسط طرق ترابية مظلمة. العلبة الخشبية كانت بين أحضاني، أعتصرها بقوة كأنها الجزء المتبقي من روح ريهام. كان كريم يجلس بجواري، وعيناه تترقبان الطريق بوجل وتركيز، بينما هاتف المفتش في جيبه مفتوحٌ على خط ساخن مع قوة الدعم التي حصن منيع يحجب ما بداخلها عن أعين العالم. المزرعة كانت تبدو من الخارج ، لكن الضوء الخافت المنبعث
من نوافذ الملحق الداخلي والأصوات المكتومة للسيارات القادمة من الخلف تؤكد أن المكان يعج بالحركة والأسرار.
وقف كريم بالميكروباص على مسافة آمنة بين الأشجار الكثيفة، ونظر إليّ بقلغ: “يا طنط، القوة الأمنية على بعد دقائق، الأفضل ننتظر هنا لحد ما يقتحموا المكان.”
نظرت إليه بصرامة وصوت خرج من أعماق ألمي: “مش هقدر أقعد ثانية واحدة يا كريم وده الساعات الأخيرة اللي ممكن ابن بنتي يضيع فيها! لو أحسوا بقدوم الشرطة ممكن يهربوا بيه أو يؤذوه.. أنا هدخل بصفتي ست كبيرة غريبة بتدور على مساعدة، وأنت ادخل ورايا من السور الخلفي زي ما اتفقنا.”
ترجلت من السيارة، بخطوات ثقيلة ولكن متماسكة. اقتربت من البوابة الحديدية الضخمة للمزرعة، وضغطت على الجرس القريب. بعد لحظات، فتح شباك صغير في البوابة، وظهر وجه رجل جهم الملامح، تتطاير من عينيه الشكوك والشر.
صرخ بحدة: “أنتِ مين يا ست أنتِ؟! وجاية هنا في وقت زي ده تعملي إيه؟ المكان ده ملكية خاصة!”
تظاهرت بالضعف والانكسار، وانحنيت كأنني امرأة عجوز أضلت طريقها في الظلام: “يا بني الحقني، العربية عطلت بينا على الطريق الرئيسي وسبت ابني بيحاول يصلحها وجيت أدور على مية أو حد يساعدنا.. أرجوك يا بني أنا ست كبيرة ورجلي مش شيلاني.”
نظر الرجل إليّ بقلة صبر، ثم التفت للداخل وكلم شخصاً آخر بصوت خفيض، وقبل أن يرد، سمعت صوت بكاء طفل صغير يأتي من أعماق الملحق الداخلي… بكاء خافت ومتقطع ينبض بالخوف والوحدة!
في تلك اللحظة، لم تعد هناك رحمة أو انتظار في جسدي. لم تكن هذه مجرد صرخة طفل غريب، كانت صرخة ابن ريهام، صرخة الجينات التي تجري في دمي!
زقيت البوابة بقوة غير متوقعة المكان قبل أن يستوعب الرجل الحارس. صرخ فيّ وحاول إمساكي، لكن في تلك اللحظة بالضبط، قفز كريم من أعلى السور الجانبي واشتبك معه ليفتح لي الطريق!
جريت في الممر المؤدي للملحق الداخلي، وأنا أصرخ بأعلى صوتي: “يا يونس! يا ابن ريهام! أنا تيتة يا حبيبي.. أنا جيتلك!”
فتحت باب الملحق بقوة، لأجد أمامي مشهداً يقشعر له الأبدان: صالة واسعة مليئة بصناديق خشبية وأجهزة اتصالات حديثة، وامرأة قاسية الملامح تصطحب طفلاً صغيراً في الثانية من عمره، تحاول إغلاق فمه بقطعة قماش وإدخاله عبر باب خلفي يؤدي لسيارة دفع رباعي مشغلة ومستعدة للهرب!
الطفل أول ما رآني، رغم أنه لم يعرفني من قبل، صرخ بصوت هز جدران المكان: “ماما! ماما!”
كان الشبه بينه وبين ريهام قاتلاً… نفس العيون الواسعة، نفس الملامح البريئة، ونفس البكاء الذي رأيته في حلمي
وفجأة، تحشمت الأبواب الزجاجية للمزرعة، وانطلقت صيحات التحذير وأصوات أجهزة اللاسلكي تعلو في كل مكان، بعد أن قوات الأمن الوطني والعمليات الخاصة المزرعة من كل الاتجاهات!
انطلقت أعيرة نارية في الهواء، وسقطت المرأة على الأرض بعد أن حاصرها الضباط وسيطروا على سلاحها في ثوانٍ معدودة.
ارتميت على الأرض، وأخذت الطفل الصغير بين أحضاني. ضممته لصدري بكل ما فيّ من شوق وحرمان وحب.. غطيت وجهه بدموعي وبوساتي، وهو يتشبث بجلابيتي ويبكي باشتياق وكأنه وجد الأمان الذي حرم منه منذ ولادته.
المفتش دخل الملحق وهو ، تنفس الصعداء وقال بصوت ملؤه التأثر: “الحمد لله على سلامتكم يا أم ريهام.. يونس في أمان خلاص، والمزرعة دي كانت المقر الأخير لغسيل أموال وإخفاء الأدلة للشبكة بالكامل.”
رفعت رأسي ونظرت إلى وجه الطفل الصغير، ثم نظرت إلى السماء… شعرت في تلك اللحظة بنسيم دافئ يلامس وجهي، وكأن روح ريهام تحوم حولنا، تبتسم بسلام وتطير نحو السماء بعد أن أنقذنا طفلها وأعدنا الحق لنصابه.
لكن، وأنا أحتضن يونس وأخرج به إلى ساحة المزرعة وسط حراسة الشرطة، اقترب مني المفتش وقدم لي مظروفاً أصفر مغلقاً تم العثور عليه داخل الخزينة السرية للمزرعة…
وقال بنبرة صدمة جديدة: “يا أم ريهام… الأوراق دي كانت مجدولة باسم بنتك ريهام… وفيها وثيقة تنازل غريبة جداً مكتوبة باسم شخص ثاني غير مروان، شخص من أفراد عيلتكم أنتم!”
تجمّد الدم في عروقي، وشعرت برعشة تسري في كل جسدي وأنا أسمع كلمات المفتش. “من عيلتنا إحنا؟!” رددت الجملة بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع، وأنا أحتضن يونس بكل قوتي وكأنني أحميه من أشباح لا تراها إلا عيني.
سحبت المظروف الأصفر من يد المفتش بإيدين بتترعش. كان المظروف ثقيلاً، ومختوماً بشمع أحمر قديم. فتحته ببطء شديد وسط حراسة ضباط العمليات الخاصة، واستخرجت الأوراق التي كانت بالداخل.
كانت الورقة الأولى عبارة عن وثيقة تنازل رسمية عن نصف ممتلكات وأراضي والدي -رحمه الله- ومبنى السكن الذي أعيش فيه، المكتوب باسم ريهام منذ صغرها! والاسم المكتوب في خانة المتنازَل له… كان عمها الكبير! “عبد الجواد”!
عمها عبد الجواد… الرجل الذي كان يبكي في العزاء بحرقة، والذي صرخ في وجهي يوم وفاتها وقال لي “استهدي بالله واستر الميت وسيبك من الجنان!”.. الرجل الذي كان يمسك مروان ويحاول تهدئة الأمور ليتم الدفن بسرعة وبدون شوشرة!
الغل والحسرة أكلوا صدري، بس في نفس اللحظة حسيت بقوة جبارة تملأ قلبي. احتضنت يونس، وبست رأسه، وقلت للمفتش بنبرة صلبة كالحديد: “عبد الجواد لازم يتقبض عليه فوراً، ولازم يتربى في القفص جنب مروان وباقي العصابة!”
في نفس الليلة، وصدرت أوامر فورية من النائب العام بضبط وإحضار عبد الجواد. داهمت القوات بيته في منتصف الليل، وجرّوه بالكلابشات أمام جيرانه وأولاده، وهو يصرخ ويتوسل ويحاول الإنكار، حتى واجهته النيابة بالأوراق والوثائق المضبوطة في المزرعة، ومواجهة مروان له في اللي يتمك وداس على شرفك لكن… في ليلة الجلسة الختامية الحاسمة للطق
بالحكمزوجته وحرم طفله من أمه.
أما عبد الجواد، فقد سِيقَ في الصباح الباكر إلى قاعة المحكمة تحت حراسة مشددة. كان وججهه أحمر وشاحباً، وجسده يرتجف كالورق اليابس في الريح. جلس في قفص الاتهام وحيداً بعد شريكه، وكانت نظرات الحاضرين في القاعة تحاصره كالسياط.
وقفتُ في الصف الأول، أرتدي ثوبي الأسود، ومسكة بيد يونس الصغير الذي كان ينظر حوله بفضول وبراءة، متمسكاً بيدي بكل قوة.
اعتلى القاضي الخشبة، ودق بمطرقته ثلاث دقات هزت جنبات القاعة، ثم قرأ الحيثيات الحاسمة:
“بعد الاطلاع على كافة الأوراق، وما ثبت قطعيًا من
صيحات التكبير والعدالة شقت صمت القاعة، بينما سقط عبد الجواد مغشياً عليه داخل القفص، ليتذوق مرارة الذل قبل تنفيذ القصاص.
خرجت من المحكمة وأنا أحمل يونس بين ذراعي. كانت
في المساء، ذهبت إلى المقابر، ووقفت أمام قبر ريهام. وضعت يدي على التراب الندي، وجعلت يونس يلمس التراب بيده الصغيرة، وقرأت لها سورة الفاتحة بصوت ناعم يفيض وفي تلك الليلة، نمتُ لول مرة منذ سنوات طويلة بنوم عميق وهادئ.
قربت مني ريهام، واستلمت يونس من إيدي، وقبلت رأسي وقالتلي بصوت ينبض بالحب والنور:
“شكراً يا أمي… أنا دلوقتي استريحت، وأنتِ أديتِ الأمانة وزيادة.”
اختفت الصور في نور أبيض دافئ، واستيقظتُ على صوت أذان الفجر، وأنا أشعر أن قلبي ملئ بالسلام، وأن طفل ريهام هو النبتة الصالحة التي سترعى عمري القادم.


