
باب الشقة اللي قفلته ورايا يومها، ما كانش مجرد خروج لمشوار صبح، كان سدّ لآخر نافذة هوى قديم كانت بتدخل لي رطوبة السنين اللي ضاعت. في العربية، وأنا موصلة بنتي للمدرسة، كانت عينيها بتلمع بفرحة وهي بتقولي: “ماما، أنتِ بقيتِ مشهورة.. صاحبتي في الفصل شافت صورتك في المجلة مع باباها!”
ابتسمت، وبستها على راسها، وقولت لها بصوت دافئ: “أنتِ الحب كله يا حبيبتي، وشغل ماما عشانك أنتِ.”
نزلتها وسيبتها لحد ما دخلت فناء المدرسة، وبعدها اتجهت بسيارتي الجديدة—اللي اشتريتها من أول مكافأة محترمة أخدتها من المشروع—لحد الكافيه الهادئ اللي بقى مكتبي التاني. أول ما فتحت اللابتوب، كان في إيميل مستنيني من رئيس الفريق الاستشاري: “اجتماع طارئ مع المستثمرين الساعة اتناشر لتطوير المرحلة التانية من الشارع الثقافي.”
دقات قلبي ما عادتش دقات خوف، بقت دقات إيقاع حقيقي لحياة بتولد من جديد.
الساعات مرت بسرعة. في الاجتماع، كنت بتكلم بثقة وثبات، بشرح تفاصيل توزيع المساحات والضوء الطبيعي اللي هيخدم المحلات التراثية، والكل كان بينصت بإنبهار. واحد من المستثمرين الكبار بص لي وقال: “يا مدام، الرؤية دي ما بتطلعش غير من حد ذاق طعم التعب وعرف قيمة التفاصيل.”
لما رجعت البيت بالليل، كانت الساعة عدت العاشرة. الشقة كانت هادية بشكل غريب. دخلت، لقيت المطبخ نظيف كالعادة، وبنتي نايمة في سريرها. أما هو… فكان قاعد على طاولة الصالون، وسط ظلام الصالة، وما قدامه غير إضاءة الشاشة الخافتة لابتوبه، وبجنبه علبة سجائر فاضية.
أول ما حس بوجودي، رفع راسه. عيونه كانت ذبلانة، وشعره منكوش بطريقة أوحت إنه ما تحركش من مكانه بالساعات.
— كنتِ فين؟ سأل بصوت منخفض، ملوش علاقة بصوته العالي القديم.
حطيت شنطتي على الكرسي، ووقفت قدامه بهدوء، وقلت:— في اجتماع مع المستثمرين. المشروع اتوسع.
وقف على حيله، وخطا خطوتين نحوي، وكأن العنف اللي جوه اتحول لشيء أشبه بالرجاء المكسور:— لحد دلوقتي؟ هو الشغل ده ما بينتهيش؟ أنا قاعد لوحدي.. البيت بقى كأنه مقبرة.
بصيت لعينيه، ولأول مرة حسيت بفرق شاسع بيننا: أنا بطلع لقدام، وهو واقف مكان ما سبته من سنين. قلت بصوت حاد وواضح:— البيت ده ما كانش مقبرة.. كان سجن لي، وأنت السجان اللي كان راضي بالدور ده. ولما قررت أخرج، افتكرت إنك هترتاح.. بس الصدمة إنك ما كنتش زعلان على فراقي، أنت كنت زعلان لأن الخدامة اللي بتعمل الأكل وتغسل الشرابات مشيت وتسابت لوحدها.
— أنا جوزك! صرخ بصوت مهزوز، وحاول يمسك دراعي:— أنا أبو بنتك!
بعدت إيده بحركة سريعة ومحسوبة، وقولت ببرود جمد الدم في عروقه:— أبو بنتي آه.. وجوزي؟ جوزي ده مات من يوم ما سألته لو هنرجع نتجوز لو عاد بينا الزمن، وقلت لي بكل برود: “لولا البنت، ما كنتش هفتكر اسم عيلتك.” الجملة دي يا فلان حرقت أي شعرة معاوية كانت بيننا، وخلتني أبني حياتي الطوب فوق الطوب لحد ما وصلت هنا.
رجع خطوات لورا، وقعد على الكرسي وهو ماسك دماغه بإيديه الاتنين، وكأنه استوعب أخيراً إن العصفور اللي كان جوه القفص فتح الباب بنفسه وطار في السما الواسعة وما عادش ممكن يرجع.
— أنا هطلقك طلاق رسمي… قلتها وأنا ماشية في اتجاه أوضة النوم:— الأوراق جهزت، والمحامي هيبعت لك النسخة بكرة الصبح. البنت هتعيش معايا، ولك حق زيارتها في أي وقت تحبه.. بس كفاية لحد هنا.
في اليوم التاني، وقعت على أوراق الطلاق النهائية في مكتب المحامي، من غير دمعة واحدة، ومن غير أي إحساس بندم. كانت الشمس برا بتشرق بنورها القوي على مدينة بتكبر وتتجدد، زي ما أنا تبت وتجددت.
بعد شهرين، افتتح محافظ الجيزة مشروع الشارع الثقافي الجديد. كنت واقفة في الصف الأول، وسط المهندسين الكبار، لابسة بدلة أنيقة، واسمي مكتوب بحروف من نور على اللوحة التذكارية للمشروع. الكاميرات صورتني، والمجلات والصحف كتبت عن المهندسة التي أعادت الروح للمكان.
في يوم الافتتاح، رجعت البيت ومعي باقة ورد كبيرة من إدارة المحافظة. فتحت الباب، لقيت الشقة فاضية تماماً، ما عدا شنطة هدومه اللي واخدها وسايب مكانها مفتاح الشقة على ترابيزة الصالون ومعها ورقة مكتوب فيها بخط إيده: “مبروك النجاح… يمكن كنتِ صح وأنا كنت غلط.”
مسكت الورقة، قطعتها بحركة هادئة، ورميتها في سلة المهملات—زي ما رميت طبق المانجا من سنين طويلة.
دخلت أوضة بنتي، لقيتها نايمة في أمان وبسمة خفيفة على شفايفها. وطيت عليها، وبستها بحنان، وبصيت من الشباك للشارع الواسع اللي برا، وأنا عارفة إن القصة دي ما انتهتش… دي لسه بتبدأ.
الحياة بعد ما استقرت على إيقاعها الجديد، بقت أشبه بلوحة هندسية أنا اللي برسم خطوطها وألوانها بنفسي. بنتي دخلت مرحلة جديدة في المدرسة، وبقيت أشوف في عينيها الفخر وهي بتشوف صورتي أو اسمي في الصحف والمجلات المعمارية. أما أنا، فبعد نجاح مشروع الشارع الثقافي، اسمي اتعرف في السوق، وبقت المكاتب الاستشارية الكبيرة تتسابق عشان توقع معايا عقود شراكة وتصميم لمشروعات سكنية وتجارية ضخمة.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي الجديد—اللي افتتحته في وسط المدينة وكان بيطل على ميدان حيوي مليان حركة ونشاط—دخلت سكرتيرتي ومعاها ملف أسود أنيق.
— مدام ندى، ده ملف العميل الجديد للمشروع الاستثماري في منطقة التجمع. العميل أصر إنك أنتِ بنفسك اللي تتولي تصميم المقر الإداري للشركة الجديدة بتاعته.
فتحت الملف، وعيني وقعت على اسم الشركة وصاحبها. حسيت بلحظة سكون قصيرة، كأن الزمن وقف ثواني، وبعدين رجع يمشي طبيعي.



