
الاسم كان لشركة مقاولات وتجارة يمتلكها واحد من رجال الأعمال المعروفين في السوق، واحد كان معروف عنه الذكاء الحاد والشراسة في الشغل، بس الأهم من ده كله… إنه كان صديق قديم لطليقي، وواحد من الناس اللي كانوا بيحضروا السهرات اللي طليقي كان بيقضي فيها لياليه الطويلة.
رفعت عيني للسكرتيرية وقاتل بهدوء:— تمام، وافقي على الاجتماع، خليه يوم الثلاثاء الساعة اتنين الظهر.
يوم الثلاثاء، في ميعاد الاجتماع، دخل قاعة الاستقبال رجل في أواخر الأربعينات، أنيق، لابس بدلة كلاسيكية مظبوطة بالمللي، وشعره فيه خصلات بيضاء زادت من وقاره. أول ما دخل غرفة الاجتماعات وبص لي، وقفت واستقبلته بابتسامة مهنية هادئة.
بص لي بتفحص، وواضح إنه كان سامع عني، بس كونه يشوفني قدامه كمهندسة مالكة للمكتب ده والمشروع الضخمة، كانت صدمة واضحة في عينيه.
— أهلاً بحضرتك يا بشمهندسة ندى، قال بصوت عميق وهو بيمد إيده يسلم عليا:— سمعت عنك كتير، بس الحقيقة الشغل على الطبيعة حاجة تانية خالص.
— أهلاً بيك يا فندم، نورت المكتب، قلتها وأنا بشاور له على الكرسي:— أتمنى نكون عند حسن ظن حضرتك في المشروع الجديد.
قعد وفتح الملف قدامه، وبعدين بص لي نظرة طويلة وقال بنبرة فيها شيء من الفضول:— تصدقي؟ أنا كنت صاحب طليقك… وفضلنا سنين طويلة أسمع عنه كلام كتير، بس عمري ما سمعت منه إن مراته تمتلك العقلية والهندسة دي كلها. لو كان ركز معاكِ شوية، يمكن حياته ما كانتش وصلت للي هي فيه دلوقتي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة واحدة قادرة تحكي حكاية سنين من التهميش والإهمال، وقلت له بثبات:— الشغل يا فندم مش بيبان غير لما الإنسان يلاقي مساحته الصح. طليقي كان شايفني جزء من الديكور، فلما سيبت الديكور ده كله وخرجت, المساحة اتسعت، وظهرت أنا.
ضحك بصوت عالي إعجاباً بردّي، وقال:— عجبتني دماغك.. اتفقنا، المشروع كله تحت إدارتك الكاملة، والميزانية مفتوحة. ابدئي زي ما تحبي.
بعد الاجتماع، خرج وسبني واقفة قدام لوحة التصاميم الكبيرة اللي معلقة على الحيطة. بصيت لانعكاس وشي في الزجاج، حسيت بالرضا التام.
بالليل، وأنا راجعة البيت، لقيت موبايلي بيرقم برقم غريب. ترددت ثواني، وبعدين رديت.
— ألو؟
جاء صوت مألوف جداً، صوت متردد، تعبان، ومليان انكسار السنين اللي فاتت:— ندى… أنا آسف لو بضايقك في وقت متأخر.
كان صوت طليقي.
سكت ثواني، وقلت بصوت هادئ وخالي من أي مشاعر غضب أو عتاب:— خير؟ فيه حاجة تخص بنتنا؟
— لا.. بنتنا كويسة، هي كلمتني النهاردة وقالت لي إنها زارتك في المكتب، وإنك بقيتي ناجحة ومشهورة قوي… أنا بس كنت حابب أقولك… إني ندمان. وإني أخدت بالكلام اللي قلته زمان، ودلوقتي فهمت معني إن الواحد يعيش لوحده بجد… البيت من غيرك ومن غير بنتنا بقى فضل ملوش طعم.
بصيت من شباك العربية على الأنوار الشاهرة والشارع اللي بينبض بالحياة، وحطيت إيدي على عجلة القيادة بثقة.
— الحياة مش بترجع للورا يا فلان، قلتها بكل هدوء:— اللي اتكسر زمان بنينا مكانه قصر جديد.. ومكانك للأسف ما بقاش موجود في الخريطة دي. مع السلامة.
قفلت السكة، ومن غير ما أفكر، حطيت رقم تلفونه في قائمة الحظر بهدوء تام.
وصلت البيت، فتحت الباب، لقيت بنتي قاعدة بتلعب في الصالة، جريت عليّ وحضنتني جامد وهي بتقول:— ماما، بابا كلمني وقال لي إنه بيسلم عليكِ!
حضنتها وقبلتها بحب، وقلت بصوت كله يقين:— سلم عليه العافية يا حبيبتي… تعالي نجهز العشا سوا، ورانا بكرة يوم طويل ومهم.
دخلت المطبخ، وفتحت الثلاجة، طلعت طبق مانجا طازة، قطعته بكل عناية، وحطيته على السفرة وأنا ببتسم للحياة اللي اختارت أعيشها بشروط، ومن غير ما أنحني لأي حد تاني.



