
خرجت من الأوضة وأنا عروقي بتغلي من الغضب والوجع، وقفت في وش الظابط بكل حزم وقلت بصوت عالي نسبياً جاب آخر الممر: “يا باشا، المحاضر دي مبنية على أقوال مرسلة وأهلي هما اللي حركوها وأنا في السعودية ومكنش حد في البيت واعي للحقائق! أنا رايح معاكم النيابة حالا ومش هسيب مراتي ولا الطفلة، وهناك هقدم طلبي لإلغاء البلاغات القديمة دي لإثبات إنها كانت مريضة نفسياً ومش في وعيها وقت الحادثة، وإن أهلي كتموا الحقيقة عني!”
الظابط بص لي بتقدير لثباتي وقال: “تمام يا استاذ سامح، اتفضل اركب العربية معانا، والمستشفى هتبعت تقرير بالحالة النفسية والجسدية للمدام عشان يرفق بملف التحقيق، والطفلة هتكون تحت رعايتك لحد ما نشوف الإجراءات القانونية.”
ركبت العربية وأنا حاسس إن المعركة لسه في بدايتها، والمرة دي مش مع الغربة ولا مع الشغل، دي مع أهلي.. الناس اللي ربتني ودخلت بيتي وأمنتم على مراتي وبنتي! طول الطريق، “حنين” الصغيرة كانت قاعدة في حضني وراقدة برأسها على كتفي، نامت من كتر التعب والبكاء، و”دنيا” كانت في عربية الإسعاف التابعة للشرطة ومعاها ممرضة.
وصلنا النيابة العامة، ومن لحظة الدخول، حسيت إن جدار الأكاذيب اللي بناه أهلي في غيابي بيتبدد تدريجياً. دخلت قدام وكيل النيابة، وطلعت بصوت متهدج بس ثابت كل الأوراق، وتذكرة السفر القديمة، ورقم تليفوني وسجلات اتصالاتي بأهلي ومراتي، وتقرير المستشفى النفسي اللي بيثبت إن “دنيا” خرجت بطريقة غير منتظمة وإنها كانت تعاني من صدمة عصبية وهلوسة مرضية أدت لانفصالها عن الواقع.
وكيل النيابة بص للأوراق بعناية شديدة، وبعدها طلب استدعاء أمي وأخويا الكبير فوراً للتحقيق معاهم في تهمة “تضليل العدالة، وتلفيق اتهامات كيدية لمريضة نفسية، وحجب معلومات جوهرية في قضية وفاة طفلة”.
الكلمات نزلت زي الصاعقة لما سمعتها من وكيل النيابة.. مش بس مراتي اللي كانت بريئة، دي أمي وأهلي هما اللي تورطوا في مشكلة قانونية كبيرة لمجرد إنهم خافوا من فضيحة أو حبوا يخلصوا من “دنيا” بطريقتهم!
بعد ساعات طويلة من الانتظار والترقب، وصلوا أهلي للمحكمة والنيابة. دخلت أمي وأخويا وهما مرعوبين، أول ما أمي عينيها جت في عيني، وشافتني واقف وجنبي الطفلة الصغيرة “حنين” اللي شبه أختها الراحلة بالضبط، ومراتي اللي خارجة من المستشفى.. أمي انهارت وبكت بصوت عالي وقالت وهي بتعتذر: “يا ابني.. والله كنا بنعمل كده عشان مصلحتك! مراتك كانت متعبة بعد الحادثة وبتهددنا وبتخرف في الشارع، خفنا عليك وعلى مستقبل لما ترجع تلاقي بيتك خارب!”
تحدثت معها بنبرة حازمة وبدقة، وقلت بدموع متحجرة في عيني ونبرة جرحت روحي: “مصلحتي؟! مصلحتي إنكم تدفنوا حفيدتكم وتلفقوا لمراتي قضية وتطردوها في الشارع للموت؟! مصلحتي إنكم تكذبوا عليا وتقولوا طفشت وهي كانت بتموت في الشوارع؟! أنتوا ضيعتوني وضيعتوا البيت كله بأيديكم!”
وكيل النيابة أمر بتحفظ أمي وأخويا لاستكمال التحقيقات في تهم التستر والتضليل، وكتب قراره العادل بالإفراج الفوري عن “دنيا” وتسليمها ليا، وإلغاء كافة المحاضر والاتهامات الباطلة الموجهة ضدها لثبوت مرضها النفسي وقت وقوع الحادثة وعدم أهلقتها الجنائية.
طلعت من مبنى النيابة، وماسك في إيد “حنين” الصغيرة، ومستني عربية الإسعاف اللي نازل فيها “دنيا”. فتحت باب العربية، وبصيت لمراتي اللي كانت بتبص لي بدموع الندم والحب والامتنان. مدت إيدها الضعيفة وقالت بصوت همس: “لسه فاكرني يا سامح؟ لسه قادر تبص في وشي بعد كل الكوارث دي؟”
نزلت على ركبي قدام العربية، وبست إيدها قدام كل الناس، وقلت بصوت حاسم يملؤه اليقين: “إحنا دفنا الماضي يا دنيا، وبنتنا حنين اللي راحت في جنة الخلد عند ربنا، وربنا عوضنا بـ ‘حنين التانية’ وببعضنا.. هنرجع بيتنا، وهنبدأ حياة جديدة من أول وسطر جديد، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يفرقنا تاني أبداً!”
خرجنا من مبنى النيابة وأنا حاسس إن جبال الدنيا كلها اتشالت من على كتفي، ركبت العربية ومعايا “دنيا” و”حنين الصغيرة”، وتحركنا في سكتنا للبيت القديم.. البيت اللي مكنتش متخيل في يوم إن أبوابه هترجع تفتح تاني بالشكل ده. طول الطريق، الكل كان ساكت، بس السكتة المرة دي مكنتش سكتة خوف ولا وجع، دي كانت سكتة هدوء ما بعد العاصفة، كأننا بنلم شتات روحنا اللي ضاعت في السنين اللي فاتت.
وصلنا قدام البيت، نزلت وفتحت الباب، ودخلت “دنيا” وهي سندة عليا بخطوات بطيئة، عينيها بتلف في أركان الصالة كأنها بتستوعب إنها أخيراً رجعت لمكانها الطبيعي. الطفلة “حنين” جرت في البيت بطفولة وبرائة وكأنها بتستكشف بيتها الجديد، وقفت في نص الصالة بصت لنا وقالت بفرحة طفولية: “هو ده بيتنا يا ماما؟ مش هنمشي تاني في الشارع بالليل؟”
كلمات البنت نزلت زي السهم في قلب “دنيا”، ماقدرتش تتمالك نفسها، فوقعت على ركبتها على الأرض وبكت بحرقة، نزلت جنبها وحضنتها جامد، وطبطبت على ضهرها وأنا بقول بصوت دافئ ومطمئن: “خلاص يا حبيبتي.. مفيش شحططة تاني، مفيش خوف تاني، البيت ده ليكم، ومحدش هيقدر يقرب مننا طول ما أنا عايش”.




