روايات وقصص

حكايات شيمو2

انقفل الباب وراه برجة هزت أركان الشقة، والسكوت الساكن بعدها كان مرعب. صدمتي شلت حركة لساني ورجلي، والأطفال الثلاثة يصرخون في الصالة بحرق؛ التوأم عياطهم بيقطع القلب والبنت الصغيرة مسكت في ذيل عبايتي وهي بتبكي وخايفة من الصوت والعصبية اللي كانت في البيت.
نزلت على ركبي بالعافية وسط اللعب المرمية والهدوم المتبهدلة، وحضنت الأطفال وأنا بدعي ربنا يلهمني القوة. فضلت أطبطب عليهم ودموعي بتنزل بسكوت. قمت بالعافية، غيرت للتوأم وأكلتهم، وهديت البنت، وبدأت ألملم اللعب والهدوم اللي في الأرض وأنا حاسة إن كل قطعة باخدها من الأرض كأنها جمرة نار في إيدي. البيت اللي كنت بدخله وأنا فاكرة إني صاحبة الفضل والشأن، بقى هو  اللي خنقت فيه ابني بجهلي وحسني نيتي اللي ودى في داهية.

مرت ساعات الليل كأنها دهور، الشمس طلعت وأنا مانمتش لحظة واحدة. كنت قاعدة على الكنبة والتوأم نايمين جنبي، وعيني مش مفارقة الباب. الساعة جاءت عشرة الصبح، وسمعت صوت تكتاك المفتاح في الباب.
قلبي ضرب في صدري وقمت وقفت بسرعة. الباب اتفتح، ودخل ابني.. بس ما كانش لوحده.
دخل ومسند مراته من دراعها، ووراهم أبوها وأخوها الكبير. كان شكلهم يقطع القلب؛ هو وشه مجهد وعيونه حمرا من كتر العياط والسهر، وهي كانت ماشية بالعافية، ساكتة ووشها خالي من أي تعبير، لا غضب ولا زعل.. حزن ساكن وبارد وده كان يخوف أكثر من العصبية.
أبوها بصل أول ما دخل، وبص للبيت اللي بقى متستف ومنضف، بس نظراته كانت مليانة عتاب شديد وقسوة.
ابني أخد مراته ووصلها لحد الأوضة جوه، وقفل الباب عليها بالراحة عشان ترتاح مع عيالها، وخرج للصالة.. وقفت أنا وأبوها وأخوها وهو في النص.
أبوها بدأ الكلام بصوت واطي بس كل كلمة كانت كأنها رصاصة:
ـ يا أم فلان.. إحنا جينا هنا مش عشان نعمل مشاكل ولا نرد الإهانة بالإهانة. إحنا جينا نلم اللي فاضل من كرامة ابنك ومراته. بنتي لما اتجوزت ابنك، اتجوزته على إنه راجل بيبني مستقبله بعرق جبينه، مش راجل مديون ومكتوب على قفاه ديون أخته وعيلته، ومرمية شقته في المزاد العلني وهو مش داري!
بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مخنوق:
ـ يا حاج.. والله العظيم أنا ما كان قصدي أضرهم، أنا كنت بفُك أزمة أخته وكان غصب عني..
قاطعني أخوها بعصبية وهو بيشاور بإيده:
ـ غصب عنك تفكي أزمة بنتك بشقى ابنك؟! غصب عنك ترهني بيت راجل متجوز ومخلف ثلاثة أطفال وتخبوا عليه سنتين؟! أنتِ عارفة إن الإنذار اللي جه كان المهلّة الأخيرة قبل ما البنك يرفع قضية تمكين وحجز؟! أنتِ كنتِ مستنية لما الشرطة تجيلهم يرموا العيال والهدوم في الشارع عشان تفوقي؟!
ابني حط إيده على وشه وقعد على الكراسي وهز رأسه بقلة حيلة. رفعت عيني لابني وقلت له:
ـ قولهم يا ابني.. قولهم إن أختك كانت هتتحبس! قولهم إن المحامي هو اللي قال لي إن دي الطريقة الوحيدة، وأنا كنت بسدد الأقساط أول بأول من معاشي ومن الفلوس اللي بتجيلي، بس لما أختك اتطلقت الشهر اللي فات والمعاش ما بقاش يكفي.. الأقساط اتأخرت غصب عني!
ابني رفع رأسه وبصلي بنظرة مكسورة وقال:
ـ وليه ما قولتليش يا أمي؟! ليه سبتيني عايش في الوهم؟ ليه خليتيني أعيش سنتين فاكر إني أمنت مستقبلي ومستقبل أطفالي، وأنا في الحقيقة بقع في بير ملوش قاع؟ مراتي من حقها تطلب الطلاق، ومن حق أهلها ياخدوها بأسورتها وعيالها ويقفلوا الباب ده!
مراته فتحت باب الأوضة في اللحظة دي.. خرجت وهي سانده على الحيطة، وبصتلي بكبرياء وقالت بصوت هادي جداً بس حاسم:
ـ أنا مش هطلق يا فلان.. مش ههد بيتي وأرمي عيالي عشان غلطة مش غلطتك أنت.
ابني بص لها بذهول ورجاء، وهي كملت كلامها ووجهت نظرتها ليا مباشرة:
ـ بس أنا ليا شروط.. والشروط دي مش هتتنازل عنها لو عايزنا نعيش تحت سقف واحد.
أبوها بصلها بقلق وقال:
ـ قولي يا بنتي شروطك والأصول هتتعمل.
قالت وهي بتشير على الصالة:
ـ أولاً: الشقة دي تتباع فوراً.. يتدفع للبنك الفلوس اللي ليه عشان الرهن يتفك، والمبلغ اللي يتبقى من ثمنها يتعمل بيه مقدم لشقة ثانية صغيرة تتكتب باسمي وباسم ابنك مناصفة، عشان أضمن إن عيالي مش هترموا في الشارع في أي لحظة.
ثانياً: الدين اللي اتسدد لأختك.. ابنك مالوش دعوة بيه، وأختك أو أهلك هما اللي يلتزموا يرجعوه لابني حتى لو على أقساط، ده شقى عمره مش ورث أخذتوه وهو عايش.
ثالثاً.. وده الأهم بالنسبة لي يا حماتي..
وقفت قدامي بثبات وعيونها فيها تحدي وقالت:
ـ المفتاح اللي معاكي للشقة دي يتسلم فوراً دلوقتي.. ورجلك ما تعتبش الشقة الجديدة إلا لما تتصلي وتستأذني زي أي ضيفة.. مش عشان مش عايزين نشوفك، بس عشان تصدقي إن ابنك بقى له بيته وكيانه المستقل، وإنك مالكيش سلطة ولا ملكية على حياتنا من تاني.
الكلمات نزلت عليا كأنها جبال. التفت لابني وأنا مستنية منه يرد، مستنية منه يقولها “دي أمي وما يصحش تتشرط عليها كده”، مستنية منه يدافع عني حتى لو كنت غلطانة.
بس ابني بص للأرض.. وسكت.
سكوته ده كان أشد من كل شروطها. كان موافق على كل كلمة قالتها. حسيت بغربة أشد من الغربة اللي حسيتها لما دخلت عليهم أول مرة. حسيت إني بقيت غريبة في وسطهم، إني الشخص اللي هدد حياتهم واستقرارهم وهما بيحاولوا يحموا نفسهم مني.
مديت إيدي في جيبي بالرحمة، وطلعت ميدالية المفاتيح اللي كانت معايا من سنين.. وحطيتها على الترابيزة بالراحة.
وقلت بصوت بترعش ونبرة مكسورة:
ـ المفاتيح أهيه.. والبيت بيتكوا. وأنا مش هتدخل في بيع ولا شراء.. اتصرفوا زي ما أنتم عايزين في الشقة وفي الفلوس.
لميت شنطتي الصغيرة اللي كنت جايباها معايا للأسبوعين، وبصيت لابني اللي كان بيبكي بسكوت ومدمع مش قادر يبص في عيني. قربت منه وطبطبت على كتفه وقلت له:
ـ أنا سامحتك على سكوتك يا ابني.. بس اعذرني، أنا مش هقدر أقعد هنا ولا لحظة كمان.
ولفيت ضهري ومشيت ناحية الباب.. بس قبل ما حط إيدي على الأكرة عشان أخرج، جالي صوت أخوها من ورايا وهو بيقول جملة خلتني أقف مكاني واتجمد:
ـ استني يا أم فلان.. الموضوع مش ببساطة دي.. أنتِ فاكرة إن البنك بس هو اللي ليه فلوس؟ أنتِ مش عارفة إن أخت ابنك راحت امبارح للمحامي ورفعت قضية إثبات ملكية على الشقة دي ادعت فيها إنها هي اللي دافعة ثمنها مع أخوها؟!
وقفت مكاني متسمرة عند الباب، وكأن الأرض انشقت تحت رجلي. لفت ضهري ببطء وأنا مش مصدقة اللي أذنيا سمعته. بصيت لأخو مرات ابني بعيون مليانة ذهول، وقلت بصوت بترعش:
ـ أنت بتقول إيه؟! أخته مين اللي رفعت قضية؟! أختك أنت يا ابني.. بنتي أنا تفعل كده في أخوها وفيّ؟!
ابني اتنفض من مكانه وكأنه اتقرص، وشه اتغير وبقى زي الجثة، وقرب من أخو مراته وقال بعصبية ورعب:
ـ أنت بتقول إيه يا حاتم؟! أختي مين اللي ترفع قضية؟! دي لسه طالعة من مصيبة وأمي هي اللي سددت ديونها! إزاي تعمل كده؟!

رد حاتم وهو بيطلع ملف أوراق من شنطته وبيحطه على الترابيزة بحدّة:
ـ أختك يا سيدي.. استغلت إن الشقة مكتوبة باسم أمك من الأصل، واستغلت إن الفلوس اللي كانت بتتحول من الخليج كانت بتنزل في حساب أمك الشخصي مش حسابك أنت! راحت امبارح للمحامي اللي كان ماسك قضايا طلاقها ودفع ديونها، واستغلت الأوراق والمستندات القديمة اللي معاها، ورفعت دعوى مستعجلة تثبت فيها إن الفلوس اللي اتدفعت في الشقة دي كانت مشاركة بينها وبينك، وبما إن أمك هي المالك الصوري، فبنتها لها النصيب الأكبر في البيت بدعوى إنها هي اللي كانت بتدفع الأقساط للبنك!
الدم هرب من وش ابني، ورجع خطوتين لورا وهو بيبصلي بنظرات كل هس فيها بيتكلم: “أنتِ عملتي إيه يا أمي؟ أنتِ سلمتي بيتي وحياتي لأختي على طبق من دهب؟”.
صرخت بعالي صوتي وأنا بضرب على صدري:
ـ كدب! والله العظيم كدب! أنا ما اديتهاش أوراق ولا تسديدات، الفلوس كانت فلوسك أنت يا ابني، شقى عمرك أنت! أنا بس اللي كنت بحول من حسابي عشان أنت كنت برة البلاد!
خرجت مرات ابني من الأوضة، كانت بتترعش من كتر القهر، وبصتلي بعيون مليانة شرار وقالت:
ـ عرفتي بقى يا حماتي أنتِ عملتي إيه؟! عرفتي إن حسني نيتك وتستُرك على بنتك وصلك ووصلنا لإيه؟! أنتِ مش بس رهنني البيت للبنك وسرقتي شقى ابنك، أنتِ سلمتي رقبة ابنك وعياله لأخت مش بتتقي الله! أخت جاية تاخد لقمة عيش أطفال أيتام وهما أبوهم عايش!

ابني مسك التليفون وإيده بتترعش بشكل يوجع القلب، واتصل بإن اختيه مباشرة. حط التليفون على السبيكر، ورن مرة واثنين وثلاثة لحد ما فتحت.
قال بصوت مبحوح  اللي أنا طفحت

ـ شقتك إيه يا فلان؟! هو أنت فاكر نفسك أنت بس اللي كنت بتدفع؟ هو أنت نسيت إن أمك أخدت صيغتي ورثي من أبوي ودهبي كله عشان تكمل ثمن شقتك وتجوزك؟ الشقة دي باسم أمي، وأمي راهناها للبنك بسبب الديون اللي عليا وعليكم، وأنا ليّ حق في البيت ده زيي زيك.. وأنا مش هسيب حق عيالي وأرمي نفسي في الشارع عشان أنت ومراتك تنعموا في شقة تمنها ملايين!
صرخ فيها ابني بصوت هز العمارة كلها:
ـ دهب إيه ورث إيه اللي بتتكلمي عنه؟! أمي أخدت فلوسي أنا عشان تسدد ديون طليقك اللي كان هيحبسك! أمي سرقتني أنا عشان تسترِك أنتِ!
ردت أخته بمنتهى القسوة:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى