
نزلت من الأسانسير وخطواتي كانت سريعة لكن موزونة، ما لفتش وشي ولا مرة بالرغم من صوت أحمد اللي كان بيتردد في الممر وبيصرخ باسمي ورايا. خرجت من الفندق للهوا الساقع بره، وخدت أول نفس عميق حسيت بيه برئتي بتتنفس بجد من وقت ما دخلت الجناح.
سارة كانت مستنياني تحت، أول ما شافتني جريت عليا ودموعها في عينها، مسكت إيدي وقالت:
— ياسمين! إيه اللي حصل فوق؟ أنا سمعت صوت زعيق وصوت عالي، أحمد عمل إيه؟
رديت عليها بصوت مفيش فيه نبرة اهتزاز واحدة، صوت كان يرعب من كتر هدوءه:
— أحمد طلع متجوز عليا بقاله سنة يا سارة… متجوز في السر ومأجر جناح عشان يقضي فيه “يومين الشغل”.
سارة حطت إيدها على بقها مش مصدقة، وقبل ما تنطق، خرج أحمد من باب الفندق الرئيسي وهو بيجري ناحيتي، هدومه متبهدلة، وزراير قميصه مقطوعة، ووشه باين عليه آثار شد، وحمايا وأمه كانوا طالعين وراه بيحاولوا يوقفوه.
أحمد شافني واقفة عند العربية، جري عليا ومسك إيدي الاثنين وهو بيقول:
— ياسمين أبوس إيدك ما تمشيش! والله العظيم هصلح كل حاجة، أنا طلقتها! أهو طلقتها قدامهم فوق، وسيبتها! ياسمين أنا بحبك أنتِ، حياتي كلها أنتِ، ما تضيعيش سبع سنين عشان غلطة وتصرف متهور مني!
في اللحظة دي، حماتي وصلت وهي بتبكي، مسكت أحمد وأبعدته عني وهي بتقول:
— ابعد عنها يا أحمد! دي جزاء اللي وقفت جنبك وحافظت على بيتك؟ أنا مش مصدقة اللي عملته!
وحمايا جه من وراه بصوت حازم:
— حسابك معايا في البيت يا أحمد… واللي حصل النهارده مش هعديه بسهولة.
أنا كل ده كنت واقفة بتفرج عليهم كأني بتفرج على مشهد في مسلسل مش حياتي خالص. بصيت لأحمد وهو واقف قدامي بيترجاني، وبصيت لحماتي وحمايا اللي كانوا في حالة صدمة شديدة.
قربت من أحمد خطوة، وقلت له بهدوء:
— طلقتها؟ فاكر إن لما تطلقها قدام أهلك كده هترجعلي زي الأول؟ أنت كشفت نفسك وخسرت ثقة أهلك ودمرت بيتك في وقت قصير… عشان شبكة واي فاي يا أحمد. للدرجة دي كنت مستهين بكل اللي بينا؟
رفعت نفسي وفتحت باب عربية سارة، وقبل ما أركب، حمايا قرب مني وقال وهو بيمسح دموعه:
— يا ياسمين يا بنتي… أنتِ حقك محفوظ، والبيت بيتك، وأنا هقف جنبك بالقانون لحد ما توصلي لكل حقوقك، ما تزعليش نفسك يا بنتي.
رديت عليه بابتسامة احترام:
— أنت على رأسي يا عمي، وتفضل أبوي اللي بكن له كل احترام… بس أحمد خرج من حياتي خلاص، واللي بيني وبينه من النهارده القانون والمحامين.
ركبت العربية مع سارة، وتحركنا. أحمد كان بيجري ورا العربية وبينادي باسمي لحد ما اختفى من المراية الجانبية.
وصلت بيت أهلي، ودخلت بشنطتي الصغيرة. أول ما أمي وأبويا شافوني في الوقت ده وشافوا ملامحي، فهموا إن في حاجة كبيرة حصلت.
حكيتلهم كل حاجة بالحرف، من أول كلمة “مراتي وبس” لحد ما سيبته في الشارع. أبويا قام وقاللي كلمة واحدة:
— اللي يبيعك في لحظة، ما يستاهلش منك عمرك كله… وحقك هيجي لحد عندك يا بنتي.
عدت ليلتها، ومن صباح اليوم التالي بدأت مرحلة جديدة.
الساعة تسعة الصبح، موبايلي ما بطلش رن. مكالمات كتير من أحمد، ورسايل منه فيها ترجي وندم، ورسايل تانية من أخته بتعتذرلي وبتترجاني أهدى، لكن أنا ما رديتش على أي حد.
على الساعة اتناشر الظهر، طلبت محامي العيلة، وقعدت معاه في المكتب.
شرحتله الوضع وطلبت منه يبدأ الإجراءات القانونية الخاصة بالطلاق للضرر، ويحافظ على كل حقوقي القانونية والمالية، وشددت عليه إننا مش هنقبل بأي حلول غير عادلة.
وأنا قاعدة عند المحامي، جالي إشعار رسالة غريبة على الواتساب من رقم غريب.
فتحت الرسالة، لقيتها من “ميرنا”!
كانت كاتبالي فيها:
“فاكرة إنك كسبتي لما كشفتيه؟ أحمد أنهى زواجه مني فعلاً فوق في الفندق تحت ضغط أهله… بس اللي أنتِ ما تعرفيهوش يا ياسمين، إن أحمد كتبلي شقة باسمي، ومضى على التزامات مالية كبيرة عشان أوافق أتجوزه في السر! وأحمد مديون ومأزوم، والشركة اللي شغال فيها اكتشفت إنه كان بيتصرف في فلوس من غير وجه حق عشان يصرف عليا وعلى حياته الخاصة… يعني جوزك المصون مش بس أخطأ في حقك، ده كمان مستقبله انتهى، ولو فاكرة إنك هتطلعي منه بسهولة تبقى غلطانة!”
عيني وسعت وأنا بقرأ الرسالة.
الموضوع طلع أكبر بكتير من مجرد خلاف زوجي أو زواج ثانٍ… أحمد كان غرقان في التزامات مالية ومشاكل كبيرة، وكان بيستخدم اسم العيلة وبيتي كغطاء لتصرفاته!
وفجأة… الموبايل رن.
المرة دي كان المتصل… مدير أحمد في الشركة!
رديت على مكالمة مدير أحمد. كان صوته مشدودًا ومترددًا، وقال لي إنه بيحاول يوصل لأحمد من الصبح ومفيش فايدة، وإن في لجنة مراجعة مالية نزلت الشركة فجأة ولقوا مخالفات وتلاعب في الأوراق الرسمية بجهة شغالة تحت إدارة أحمد مباشرة، والمسألة أصبحت قضية رسمية هتوصل للشؤون القانونية والجهات المختصة خلال ساعات لو مظهرش يوضح موقفه.
قفلت السكة وأنا حاسة بذهول وصدمة مضاعفة. أحمد مش بس خرب بيته باستهتاره وخياراته، ده كمان دمر مستقبله المهني ورط نفسه في قضية ممكن تغير حياته بالكامل.
طلعت من مكتب المحامي وأنا حاطة خطة جديدة تمامًا. ما بقاش الموضوع مجرد طلاق وطالبة بحقوقي، الموضوع بقى سباق مع الزمن عشان أحمي نفسي وأحمي أهلي من أي تبعات مالية أو قانونية ممكن أحمد يجرنا ليها بسبب التزاماته المالية أو الأوراق اللي وقع عليها، أو البلاغات اللي هتترفع عليه من الشركة.
أول خطوة عملتها، طلبت من المحامي يعمل الإجراءات القانونية اللازمة لحفظ حقوقي في الشقة والمنقولات، ونقدم طلب رسمي بالطلاق للضرر مع إرفاق المستندات المتاحة وشهادة الفندق وإقرار العيلة بالواقعة. المحامي تحرك فورًا وبدأ الإجراءات الرسمية.
على العصر، اتفاجأت بوالد أحمد بيكلم أبويا وبيطلب يجوا البيت عندنا، هو وحماتي وأخته. أبويا وافق، وقعدنا مستنيينهم.
دخل حمايا بيتنا ووشه أصفر ومكسور، وحماتي كانت بتعيط وبتحاول تتمالك نفسها. قعدوا في الصالون، وحمايا بدأ الكلام ونبرة صوته فيها حسرة ملهاش آخر:
— يا أبو ياسمين… إحنا جايين ونفسنا في الأرض. اللي أحمد عمله ده خزي علينا قبل ما يكون ظلم لياسمين. بس الموضوع كبر أوي يا جماعة… أحمد اتقبض عليه من ساعتين!
أمي شهقت، وأبويا اتعدل في قعدته وبص له بجمود:
— اتقبض عليه في إيه؟
حماتي ردت وهي بتبكي:
— ميرنا راحت عملت فيه بلاغ بالتزامات مالية كبيرة كانت معاه، وفي نفس الوقت الشؤون القانونية بتوع الشركة بلغوا عنه واقتادوه من مكان كان قاعد فيه بيحاول يستسمحهم! أحمد في القسم دلوقتي يا ياسمين، وبيطلب مساعدتك ومساعدة أبوه عشان نعرف نتصرف قانونيًا!
بصيت لحماتي بهدوء ورباطة جأش وقلت لها:
— يطلب مساعدتي أنا؟ بعد سبع سنين من الخداع، وبعد ما كان عامل حساب شبكة الواي فاي باسم “مراتي وبس”؟ يطلب مني المساعدة بعد كل اللي حصل؟
حمايا حط إيده على ركبته وقال:
— يا بنتي أنا مش ببرر له، أحمد دخل في مشاكل كبيرة ومستقبله اتأثر، وأنا مستعد أبيع أراضي وممتلكات وأسدد للشركة وأحل موضوع ميرنا ده… بس هو طالب يشوفك كلمة واحدة في القسم قبل ما يتم تحويله للجهات المختصة. بيقول إن عنده سر مهم لازم يقولهولك أنتِ بالذات، سر يخص بيتك وحياتك أنتِ!
الكلام وقع عليا كأنه صدمة… سر إيه اللي ممكن يكون عند أحمد ويخصني أنا بالذات؟ هل في حاجة تانية أنا ما أعرفهاش؟ هل اللي حصل كان مجرد بداية لحاجة أكبر؟
بصيت لأبويا، لقيت عينيه بتقولي القرار قرارك.
أخدت نفس طويل، وقومت وقفت وقلت بصرامة:
— ماشي يا عمي… هروح مع حضرتك القسم وأسمع السر ده بنفسي. بس تبقى عارف… دي هتبقى آخر مرة أحمد يشوف فيها وشي في حياته.
وصلت القسم مع حمايا وأبويا. الممر كان زحمة، وصوت الخطوات كان واضح في المكان.
وقفنا قدام غرفة التحقيق، وبعد دقائق، العسكري فتح الباب وخرج أحمد.
شفت راجل تاني خالص غير اللي خرج من البيت الصبح ببدلته وساعته الشيك… وش أصفر، عينين مجهدة ومكسورة، وأكرام قميصه مقطوعة، وإيديه مقيدة.


