
حماتي كانت بتتعامل مع بيت أمي كأنه منتجع خمس نجوم… لكن الفرق الوحيد إن المنتجع ده كان مجاني، والخدمة فيه على مدار الساعة.
فضلنا ساكتين طول الصيف.
لحد اليوم اللي طلبت فيه من أمي إنها تشيل زرعها من الشرفة… لمجرد إنه كان بيحجب عنها المنظر وهي مستلقية على كرسيها.
في اللحظة دي، قررت إن سكوتنا انتهى.
اتجوزنا في الربيع، وكان ده أول صيف تقضيه عيلتينا مع بعض.
أمي عندها بيت صغير وجميل بنقضي فيه الإجازات وعطلات نهاية الأسبوع. مكان هادي، مليان زرع، وشرفته بتطل على منظر تحبه أمي جدًا.
وأول مرة أهل جوزي قرروا ييجوا يقضوا معانا كام يوم، أمي فضلت متوترة قبل وصولهم بأسبوع كامل.
اشترت ملايات جديدة.
غيرت المفروشات.
نظفت البيت من أوله لآخره.
حتى الفوط اشترت منها أطقم جديدة.
كانت عايزة كل حاجة تبقى مثالية.
مش لأنها مضطرة…
لكن لأنها كانت مؤمنة إن بعد جوازنا، عيلتنا وعيلة جوزي بقوا عيلة واحدة.
كانت بتقول لي:
“أنا عايزة أم جوزك تحس إنها في بيتها.”
وهي فعلًا خلتها تحس إنها في بيتها…
يمكن أكتر من اللازم.
الجو كان جميل، فبقينا نروح البيت معظم عطلات نهاية الأسبوع من بداية الصيف.
وأنا بكتب الكلام ده دلوقتي، أنا قاعدة في نفس الشرفة اللي بدأت فيها الحكاية كلها.
لكن تقريبًا كل عطلة كانت بتتكرر بنفس السيناريو.
أمي تصحى الساعة ستة الصبح.
تعمل القهوة.
تحضر الفطار لستة أشخاص.
تغسل الصحون.
تنظف المطبخ.
ترتب السراير.
تغير الفوط.
وأحيانًا كانت تنزل السوبر ماركت مخصوص علشان تشتري حاجة معينة، لمجرد إن حماتي مش بتحب النوع الموجود في البيت.
مرة ما كانش فيه نوع المايونيز اللي بتحبه.
فأمي قضت حوالي ساعة في مشوار مخصوص علشان تجيبه.
ومع كل ده…
كانت أمي هي اللي بتحضر الغدا.
وبعده العشا.
وتفضل طول اليوم بتتحرك من مكان لمكان، بينما حماتي…
كانت بتوصل البيت، تعمل جولة سريعة بعينيها، وبعدها تتجه مباشرة إلى الشرفة.
تتمدد على الكرسي.
تحط الشاي المثلج جنبها.
تمسك موبايلها.
وتبدأ إجازتها.
وبس.
ده كان مفهومها للراحة.
ولا مرة سألت أمي:
“محتاجة مساعدة؟”
ولا مرة شالت طبق وحطته في الحوض.
ولا مرة دخلت المطبخ حتى تقطع بصلة.
ولا حتى كانت بتشيل فنجان القهوة بتاعها من مكانه.
لكن بصراحة…
في البداية ما اهتمتش.
قلت لنفسي إنها ضيفة.
ويمكن مش واخدة بالها.
ويمكن طبعها كده.
لكن مع الوقت، حصل شيء بدأ يضايقني أكتر من عدم مساعدتها.
كلمة “شكرًا” اختفت.
في الأول كانت بتقولها.
بعدها بقت نادرة.
ثم اختفت تمامًا.
بقت تتعامل مع كل حاجة أمي بتعملها وكأنها واجب طبيعي.
وكأن البيت بيتها.
والأكل حقها.
والخدمة شيء مفروغ منه.
لكن اللي حصل الأسبوع اللي فات…
كان آخر نقطة.
أمي اشترت أحواض زرع جديدة.
كانت نفسها فيها من فترة.
واختارت لها زهور بألوان جميلة، وحطتها على سور الشرفة بعناية.
كانت فرحانة جدًا.
طول الطريق وهي بتوريني صور الزهور على موبايلها وتقول:
“شايفة؟ الشرفة هتبقى أجمل بكتير.”
ولما خلصت ترتيبهم، وقفت تبص عليهم بابتسامة طفل فرحان بلعبته الجديدة.
كان شكل الشرفة فعلًا جميل.
لكن بعد دقائق…
خرجت حماتي من البيت.
كانت ماسكة كوب الشاي بتاعها.
مشيت ناحية الكرسي المعتاد.
قعدت.
رفعت عينيها ناحية أحواض الزرع.
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت:
— لأ… كده غلط خالص.
أمي بصتلها باستغراب.
— في إيه؟
حماتي أشارت ناحية الزرع.
وقالت بكل بساطة:
— الزرع ده حاجب عني المنظر وأنا قاعدة هنا.
أمي حاولت تضحك وقالت:
— آه… ماخدتش بالي.
لكن حماتي ما ضحكتش.
قالت بمنتهى الثقة:
— شيليه من هنا.
وبعد لحظة أضافت:
— وماتعمليش كده تاني.
ماتعمليش كده تاني.
الكلمة دي تحديدًا فضلت ترن في ودني.
قالتها لأمي.
في بيت أمي.
عن زرع أمي.
والأغرب إنها قالتها وهي قاعدة على الكرسي اللي أمي نفسها حطت له وسادة مريحة الصبح علشان حماتي ترتاح.
بصيت لأمي.
كنت مستنية منها أي رد.
أي اعتراض.
أي كلمة.
لكن أمي اكتفت بابتسامة محرجة وقالت:
— حاضر… أنا ماخدتش بالي إن الزرع ممكن يضايقك.
وبدأت فعلًا تحرك الأحواض.
واحدة وراء التانية.
وأنا واقفة مكاني مش مصدقة.
أمي…
كانت بتحرك زرعها من مكانه.
في بيتها هي.
علشان ضيفة قاعدة مستريحة على كرسي، ومش عاجبها المنظر.
والأغرب من كل ده؟
حماتي ما قامتش حتى تساعدها.
فضلت قاعدة مكانها.
تشرب شايها.
وتتفرج على أمي وهي بتشيل الأحواض.
في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
مش بسبب الزرع.
ولا بسبب الشرفة.
لكن بسبب الطريقة اللي اتعاملت بيها مع أمي.
أنا عارفة أمي كويس.
أمي طيبة.
هادية.
بتكره المشاكل.
وممكن تستحمل حاجات كتير جدًا علشان تحافظ على الهدوء.
خصوصًا عشاني.
كانت عارفة إن دي أم جوزي.
وإن أي خلاف ممكن ينعكس على حياتي.
علشان كده كانت بتسكت.
لكن سكوت أمي ما كانش معناه إن اللي بيحصل مقبول.
بالعكس…
كان معناه إنها بتتحمل أكتر مما ينبغي.
وفي اللحظة دي قررت إني مش هسكت.
لكن في نفس الوقت، ماكنتش عايزة خناقة.
دي في النهاية أم جوزي.
والغالب إني هفضل أشوفها في مناسبات وعزومات ولقاءات عائلية لسنين طويلة.
ولو واجهتها بالصوت العالي، كنت عارفة إيه اللي هيحصل.
هترجع بيتها.
تحكي لكل الناس إني هاجمتها.
وتقول إني أهنتها قدام العيلة.
وفجأة…
هتبقى هي الضحية.
وأمي هي الغلطانة.
وأنا هبقى “الزوجة اللي بتحرض ابنها على أمه”.
لا.
أنا ماكنتش عايزة أديها الفرصة دي.
علشان كده…


