
مر أسبوعين على مواجهة الشرفة.
الهدوء اللي ساد البيت كان هدوء هش، عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. حماتي بقت بتتصرف بتكلف واضح، بتحاول تظهر إنها اتغيرت، تغسل فنجانها ببطء شديد، وتقول “شكراً” بصوت واطي ومحسوب، بس عينيها كانت بتلمع بالتحدي. الست اللي متعودة تسيطر وتفرض رأيها لسنين، مستحيل تسلم بالهزيمة بسهولة… كانت بس بتستجمع قواها وبتدرس الخطة الجاية.
وأنا كنت عارفة ده كويس.
مع بداية آخر أسبوع في الصيف، قررت حماتي إنها تعمل “رد اعتبار”.
دخلت الصالة يوم الجمعة الصبح، وكانت شايلة شنطة كبيرة ومبتسمة ابتسامة فيها غموض ومكر. وقفت في نص الصالة، وقالت بصوت عالي عشان الكل يسمع:
— يا جماعة… أنا قررت عزومة الأسبوع ده تبقى عليّ أنا! إحنا تقلنا على أم حبيبة طول الصيف، وعشان كده أنا عزمت أختي وبناتها السبت على الغدا هنا… إحنا هنعمل عزومة سمك وتجنن، وأنا اللي هطبخ كل حاجة بنفسي!
أمي بصتلي بقلة حيلة. العزومة كانت هتضم أكتر من عشر أفراد، وفي بيت أمي، وبدون سابق إنذار أو استئذان حقيقي. حماتي كانت فاكرة إنها بذكاء كده بتسترد “عرشها” في البيت، وبتبين قدام أختها وبناتها إنها هي اللي تمشي الكلمة وهي صاحبة المكان والخير، وفي نفس الوقت كانت مستنية إني أعترض عشان تقول لابنها: “شايفة؟ حتى لما حبيت أخدم وأعزم أهلي رفضت!”.
لكن أنا ابتسمت ابتسامة هادية جدًا وقلت:
— فكرة ممتازة يا طنط! ماشاء الله، عزومة جميلة. وأكيد طالما حضرتك اللي عزمتي، يبقى حضرتك اللي هتنسقي وتطبخي كل حاجة من الألف للياء، وأمي وأنا هنبقى ضيوفك المرة دي!
وش حماتي اتغير لحظة، بس استدركت وقالت بثقة:
— طبعاً! أنا أختي وبناتها جايين في ضيافتي أنا!
وهنا بدأت اللعبة.
يوم الجمعة بالليل، حماتي نزلت السوق مع ابنها، جابوا أنواع السمك والجمبري والاستاكوزا والمحار. كميات ضخمة جداً. لما رجعوا، حطت كل الشنط على رخامة المطبخ، وبصت لأمي وقالت:
— السمك عايز تنضيف وتنقع في تتبيلة ممتازة من الفجر عشان يشرب التتبيلة.
أمي، بطيبتها المعتادة، كانت خلاص هتمرر إيدها وتمد الواجب وتبدأ تنضف معاه، لكن أنا دخلت المطبخ بابتسامة صريحة، أخدت إيد أمي وقلت بصوت مسموع:
— يلا يا أمي عشان نلحق ننام بدري، بكرة ورانا صحيان براحتنا، وطنط طبعاً حابة تحضر عزومة أختها بكل تفاصيلها بلمستها الخاصة عشان ترفع راسها قدامهم.
حماتي بصتلي بغيظ مكتوم. الموقف كان حاسم: إما إنها تطلب المساعدة وتكسر كبرياءها، إما إنها تشيل الشغل كله بنفسها. واختارت كبرياءها.
قضت حماتي ليلة طويلة في المطبخ، بتنضف السمك وتقشر الجمبري وتعمل التتبيلات. كانت كل ما تطلع تنهد وتنفخ عشان جوزي يشوفها وتصعب عليه، وجوزي كل ما يجي يتدخل، أفكره بالراحة: “حبيبي، ده مطبخ والدتك بكرة قدام أختها، هي عايزة تعمل كل حاجة بإيدها عشان تتفاخر بيها، بلاش تبوظ فرحتها”.
الساعة أربعه الفجر، كانت حماتي خلصت التتبيل وهي مش قادرة تفرد ظهرها.
وجت لحظة اليوم التالي… يوم السبت.
الضيوف كانوا هيوصلوا الساعة أربعة العصر.
حماتي صحيت الساعة عشرة الصبح، جسمها مهدود، بس كان لازم تكمل التمثيلية. دخلت المطبخ وبدأت تقلي وتشوي وتعمل الرز والسلاطات. الريحة كانت مالية البيت، والدخان بدأ يطلع، ورخامة المطبخ المترتبة بقت عبارة عن ساحة معركة من القشور والزيوت والحلل.
على الساعة تلاتة بعد الظهر، المطبخ كان في حالة يرثى لها. وحماتي كانت واقفة قدام البوتاجاز وشها أحمر من السخونية وعرقانة، ومش فاضل غير ساعة واحدة والضيوف يوصلوا وهي لسه ولا لبست ولا اتزوقت ولا المطبخ اتنضف!
خرجت من المطبخ وهي بتلهث، وقالت بصوت مكسور ومحرج لأمي:
— أم حبيبة… معلش، المطبخ اتبهدل مني شوية، ومحتاجة مساعدتك ننضف الصالة ونرتب السفيرة قبل ما أختي توصل، وأنا ادخل أغير لبسي بسرعة.
أمي بصت للمطبخ والكركبة، وقلبها الطيب كان هيتحرك كالعادة… لكن المرة دي أنا مش سيباها تتراجع.
تدخلت بنفس الهدوء والبرود المتزن، وقلت:
— طنط… السفرة والصالة متوضبين ومترتبين جاهزين، إحنا رتبناهم من بدري. لكن المطبخ والسمك بتاع عزومتك، فحضرتك عارفة إننا ضيوف النهارده، وأمي مش هتقدر تقف تنضف زيوت وقشور سمك في السخونية دي وهي لسه تعبانة. لكن أنا عندي حل ممتاز!
حماتي بصتلي بلهفة:
— إيه هو؟
قلت لها:
— ابنك بره قاعد بيلعب في الموبايل. اطلبي منه يدخل يساعدك يلم الكركبة دي معاكي ويديكِ إيد، أو اتصلي بدليفري أو شركة تنضيف تشيل العك ده بسرعة، لأن بيتنا ما ينفعش يفضل بالمظهر ده قدام ضيوفك.
حماتي اتصدمت. كانت فاكرة إن الكروت كلها في إيدها، لكن اكتشفت إن القواعد اللي اتحطت من أسبوعين ثابتة ومش هتتغير تحت أي مسمى، حتى لو سميتها “عزومة”.
جوزي لما شاف الموقف، وشاف أمه مش قادرة تقف والمطبخ يطير فيه الزيت، دخل بنفسه وبدأ يلم معاها ويساعدها وهو متضايق من الزحمة والكركبة والريحة اللي غطت على البيت. وعرف وقتها أد إيه أمي كانت بتشيل وتتحمل في صمت طول الصيف من غير ما تشتكي ولا تطلع صباعها بره.
وصلت أخت حماتي وبناتها الساعة أربعة.
استقبلناهم أفضل استقبال. أمي قعدت ملكة في صالتها، لابسة أشيك ما عندها، بترحّب بالضيوف بابتسامة وقار، وبتقدم الشربات والقهوة كصاحبة بيت عزيزة وكريمة.
بينما حماتي خرجت من أوضتها متأخرة، بوش مجهد وباين عليها التعب الشديد، ويديها علامات المجهود المضاعف. ولما أختها قعدت تمدح في الأكل وفي البيت وفي الشرفة الجميلة والزرع المترتب اللي على السور، حماتي كانت بتبص للزرع وهي ساكتة تماماً… مش قادرة تنطق بكلمة.
لأنها عرفت إن البيت ده له صاحبة بيت حقيقية، وإن الدخول ليه بيبدأ بالاحترام، ومش بالافتراس.



