روايات وقصص

حماتي كانت بتتعامل حكايات رشا 2

انتهت العزومة على خير، ومشت أخت حماتي وبناتها وهم بيشكروا في الأكل والجو الساحر. لكن أول ما الباب اتقفل وراهم، البيت وقع في حالة سكوت رهيبة. حماتي دخلت أوضتها فوراً من غير ما تنطق حرف، وجسمها كله بيموت من التعب. وجوزي، لأول مرة، قعد في الصالة وهو باصص للفراغ، كأنه بيستوعب حجم المجهود اللي أمي كانت بتعمله كل أسبوع من غير ما تطالب بحاجة، وكأنه بيشوف أمه على حقيقتها لأول مرة.

الأحد الصبح، الصيف كان بيلفظ أنفاسه الأخيرة، وده كان آخر أسبوع لينا في بيت البحر قبل ما نرجع القاهرة عشان الشغل.

حماتي صحيت الساعة تسعة. خرجت من الأوضة خطوتها بطيئة، وشها مجهد، ولابسة هدوم الخروج.

بصينا لها أنا وأمي باستغراب. كانت شايلة شنطتها الصغيرة.

قالت وهي مش قادرة تحط عينها في عين أمي مباشرة:

— أنا حجزت السوبرجيت وراجعة القاهرة النهارده.

جوزي قام اتخض:

— ليه يا أمي؟ ما إحنا كلنا مسافرين بكرة الصبح سوا بالعربية! فاضل يوم واحد!

حماتي بصت له بنظرة مليانة حسرة وكبرياء مجروح، وقالت بصوت تحس فيه بالدراما والمظلومية الاصطناعية:

— لأ يا بني… أنا أعصاب تعبت، وحاسة إني بقيت تقيلة على البيت وعلى أصحابه. الأفضل إني أمشي بهدوء عشان محدش يتضايق مني اكتر من كده.

كانت فاكرة إن الحركة دي هتهزنا… إن أمي هتيجي تجري عليها وتمسك فيها وتتحايل عليها تقعد وتعتذر لها، أو إن جوزي هيزعق ويحملني المسؤولية. كانت المحاولة الأخيرة للعب دور الضحية المسكينة اللي أصحاب البيت طردوها بطريقة غير مباشرة.

أمي بصتلي بصة تفهمها أي بنت من أمها… بصة حيرة وطيبة. أمي كانت هتتحرك وتطلب منها تقعد عشان “الأصول”.

لكن أنا مسكت إيد أمي بالراحة، وخطوت خطوة لقدام، وبصيت لحماتي بابتسامة دافية وهادية جدًا، وقلت:

— مع السلامة يا طنط… طريق السلامة يا رب. توصل بالسلامة القاهرة، وبجد وجودك الصيف ده كان تجربة مش هننساها أبداً.

حماتي اتسمرت مكانها. الموقف اتعكس تمامًا. هي كانت مستنية محاولة للتمسك بيها عشان ترفض بدلال، ففجأة لقيت الباب بيتفتح لها بكل رحابة صدر!

جوزي بصلنا، ومقدرش ينطق حرف. هو كان حاضر وشايف إن محدش أهانها ولا حد قالها امشي، هي اللي اختارت تلعب لعبة الانسحاب، ومستحيل يطلب من مراته أو حمتها يترجوها بعد كل اللي حصل.

أخد جوزي الشنطة ونزل مع أمه يوصلها للمحطة، والبيت أخيرًا فضا.

أول ما الباب اتقفل، أمي قعدت على الكنبة، وأخدت نفس عميق جدًا… أطول وأهدى نفس أخدته من أربعة أشهر. بصتلي وقالت بصوت متهدج:

— يا بنتي… أنا كنت خايفة بيتك يتخرب.

قعدت تحت رجليها، حطيت إيدي على ركبتها وقلت لها:

— البيوت ما بتتخربش لما بنحمي كرامتنا يا أمي. البيوت بتتخرب لما بنسمح للناس تدوس علينا ونفضل ساكتين لحد ما ننفجر. إنتي فتحتي بيتك بكرامة، وكان لازم يفهموا إن الكرم مش استعباد.

قضينا بقية اليوم أنا وأمي في هدوء تام. قعدنا في الشرفة، الشمس كانت هادية، وأحواض الورد كانت ألوانها مبهجة بتتحرك مع نسيم البحر. شربنا القهوة مع بعض، وضحكنا من قلبنا لأول مرة من بداية الصيف.

بالليل، رجع جوزي من المحطة.

كان ساكت تماماً. دخل، قعد جنبنا في الشرفة. بص لأمي لفترة طويلة، وبعدين قال بنبرة صادقة جداً:

— طنط… أنا عايز أعتذر لك.

أمي اتفاجئت:

— تعتذر لي على إيه يا بني؟ ده إنت زي ابني!

جوزي هز رأسه وقال:

— لأ يا طنط… أنا الصيف ده كله كنت غبي أو أعمى. كنت فاكر إن أمي بتتصرف بعفوية، وكنت فاكر إن حضرتك بتعملي كده بحب وبس، وماكنتش مقدر حجم التعب والضغط اللي كنتِ فيه. أنا شفت أمي لما وقفت يوم واحد في المطبخ حصل لها إيه… وحسيت بأد إيه حضرتك استحملتي عشان خاطري وعشان خاطر حبيبة. أنا آسف بجد.

أمي عينيها دمغت، ومسكت إيده وقالت له:

— مسامحاك يا بني، إنت مالكش ذنب. أمك على راسنا، بس المهم إننا نكون فاهمين بعض.

في اللحظة دي، حسيت إن الدرس المرة دي ما كانش لحماتي بس… كان لجوزي كمان. خط الدفاع الأول عن بيتي وكرامة أمي بقى واعي ومدرك.

تاني يوم الصبح، لمينا شنطنا وقفلنا بيت البحر. أمي كانت بتودع الشرفة بابتسامة رضا وفخر، مش بكسرة نفس زي ما كانت هتمشي لو كنا سكتنا.

رجعنا القاهرة، وكان متوقع إن الموسم يخلص هنا… بس حماتي ما كانتش من النوع اللي بيسلم بالهزيمة بسهولة.

بعد أسبوعين من رجوعنا، وجوزي في شغله وأنا في شغلي، جالي إشعار على الموبايل.

“جروب العيلة” على الواتساب… الجروب اللي فيه كل قرايب جوزي، أعمامه، وعماته، وولاد عمامه.

لقيت حماتي نزلت منشور طويل عريض، كاتباه بدقة ومكر شديد، بتشكي فيه من “جفاء الكبار” و”إهانة أمهات الأزواج”، وبتقول فيه نصاً:

«لما تصون كرامتك وتبعد عن المكان اللي اتهنت فيه، وتكتشف إن اللي افتكرتهم عيلتك بيعاملوك كأنك غريب… ربنا يعوض صبرنا خير ويحفظ لنا ولادنا اللي مش قادرين يدافعوا عننا».

وبدأت التعليقات من قرايب جوزي تتوالى:

— “مين يقدر يزعل الغالية؟”

— “لاحول ولا قوة إلا بالله، الزمن اتغير والخير راح!”

— “معلش يا أم فلان، حقك علينا، اللي ما يحترمش الكبير ما يستاهلش كرمه!”

كانت المحاولة الجديدة: الحرب الكلامية وتأليب العيلة كلها علينا، وتحويلي أنا وأمي لمجرمين قدام المجتمع.

مسكت الموبايل، وبصيت للرسائل، وابتسمت نفس الابتسامة الهادية…

حماتي افتكرت إن الحرب انتهت بانتهاء الصيف… لكنها ما كانتش تعرف إن السكوت بتاعي المرة دي، هيخليها هي اللي تمسح كل كلمة كتبتها بإيدها قدام العيلة كلها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى