روايات وقصص

حماتي كانت بتتعامل حكايات رشا1

ما قلتلهاش كلمة واحدة.

اتصرفت طبيعي جدًا.

أكلنا العشا.

اتكلمنا.

ضحكنا.

وهي غالبًا افتكرت إني نسيت اللي حصل.

لكنها ما كانتش تعرف إنني كنت أراقبها طول الوقت.

وبستنى اللحظة المناسبة.

بعد العشا، دخل كل واحد أوضته.

ولما اتأكدت إن البيت كله هدي…

دخلت أوضتي.

قفلت الباب.

طلعت موبايلي.

وبهدوء شديد…

ضبطت المنبه على الساعة خمسة الصبح.

وبعدين حطيت الموبايل على الكومودينو.

ابتسمت لنفسي.

لأن اللي كنت ناوية أعمله الصبح…

ما كانش خناقة.

ولا صريخ.

ولا إهانة.

كان درسًا.

درسًا بسيطًا جدًا…

لكن حماتي كانت هتفتكره كل مرة تفكر تتعامل مع بيت أمي كأنه منتجع مجاني.

لأنها كانت هتصحى الصبح…

وتكتشف إن قواعد الإقامة في “المنتجع” اتغيرت تمامًا.

والمرة دي…

مش أمي اللي

دق المنبه الساعة خمسة الصبح.

قمت من السرير ببطء شديد علشان جوزي ما يحسش بحاجة. بصيت جنبي، كان نايم في سابع نومة. نزلت رجلي على الأرض، أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة هادية… ابتسامة حد خلاص حط الخطة ومش هيرجع فيها.

خرجت من الأوضة في الهدوء التام اللي سائد في البيت قبل ما الشمس تطلع. المشهد كان متكرر: كل حاجة متستفة من إمبارح، المطبخ نضيف، الفوط مغسولة ومطوية، وكل ده بفعل إيدين أمي اللي نامت وهي تعبانة ومكسورة من كلام إمبارح.

أول حاجة عملتها، دخلت أوضة أمي بالراحة. لقيتا صحيت وكانت بتجهز نفسها علشان تنزل تبدأ المأساة اليومية من الساعة ستة.

مسكت إيدها وبصيت في عينيها وقلت لها بصوت واطي بس حاسم:

— أمي… النهارده إنتي مش هتعملي أي حاجة.

بصتلي باستغراب وقالت:

— يعني إيه يا بنتي؟ القهوة والفطار وأم جوزك…

قطعت كلامها وقلت:

— أم جوزي ضيفتنا، وإنتي أختك أو صاحبتك طالبة تشوفيها النهارده. إنتي هتالبي لبسك، وهنخرج أنا وإنتي نفطر في مكان على البحر، ونقضي اليوم بطوله بره.

أمي اتخضت:

— يا بنتي ما ينفعش! الناس هتقوم مش هتلاقي فطار، وأم جوزك هتزعل و…

— أمي… أنتِ عملتي أكتر من اللي عليكِ. والنهارده بيتك ده هيرجع بيتك، مش منتجع. يلا البسي، العربية بره والشنطة جاهزة.

أمي حاولت تقاوم، بس شافت في عيني إصرار ما شافتوش قبل كده. ولأول مرة من بداية الصيف، قررت تطاوعني وتفكر في نفسها.

على الساعة ستة وربع، كنا خرجنا من البيت بالكامل، قفلنا الباب ببطء، وسيبنا البيت فاضي وساكت.

لكن قبل ما أخرج… سبت رسالة صغيرة جدًا مكتوبة على تربيزة السفرة، وجنبها مفاتيح المطبخ.

الساعة جاب الساعة سبعة والنصف…

بدأت التليفونات.

أول مكالمة كانت من جوزي. رديت بمنتهى الهدوء:

— أيوة يا حبيبي، صباح الخير.

صوته كان متلغبط ومستغرب:

— أيوة يا حبيبة… إنتو فين؟ أمي صحيت وداخلة المطبخ تعمل قهوة ما لقيتش حد، ولما دخلت أوضة حمتي لقيتها فاضية! هي طنط فين؟ وإنتي فين؟

قلتله بنبرة هادية جدًا وفيها كل البراءة اللي في العالم:

— صباح الفل يا حبيبي. أصل أمي كانت تعبانة شوية ونفسيتها محتاجة تغير جو، فأنا أخدتها وعزمتا على فطار بره وبنقضي اليوم سوا علشان ترتاح.

سكت ثواني وبعدين قال:

— طيب… وأمي؟ مين هيعمل القهوة والفطار؟

قلتله ببساطة شديدة:

— إيه المشكلة يا حبيبي؟ البيت بيتكم! أمك مش غريبة، إنت عارف إن أمي بتعتبرها صاحب البيت. المطبخ مفتوح، الثلاجة مليانة أكل، وأكيد طنط تقدر تعمل القهوة اللي بتحبها بالطريقة اللي تريحها، ولا إيه؟

جوزي ما عرفش يرد. الكلمة اللي كانت حماتي دايماً بتقولها “أنا في بيتي” رديتهالهم في أبسط صورة.

لكن الحكاية ما خلصتش هنا… ده كانت يادوب البداية.

على الساعة عشرة الصبح، اتصلت حماتي بنفسها.

رديت بصوت رايق:

— أهلاً يا طنط، صباح الخير!

صوتها كان مليان غضب مكتوم، نبرة الست اللي متعودة على الخدمة وفجأة لقيت نفسها بتخدم نفسها:

— صباح النور يا “هانم”… إنتو فين؟ وكيف تخرجوا وتسيبوا البيت كده من غير ما تعرفوني؟ إحنا صحينا ما لقيناش فطار، ولا فيه قهوة معمولة، ولا المطبخ متظبط!

قلت لها بنفس النبرة الهادية والمبتسمة:

— معلش يا طنط، أمي كانت محتاجة ترتاح شوية، وحبيت أفسحها. وبعدين حضرتك مش غريبة، مش إنتي دايماً بتقولي إن البيت بيتك؟ إحنا سيبنالكم كل حاجة جاهزة في الثلاجة، وحضرتك تقدري تعملي الفطار اللي يعجبك، وأكيد المايونيز اللي بتحبيه موجود في الرف التاني.

سكتت لحظة… كانت حاسة إن الكلام فيه حاجة مش مظبوطة، بس مش عارفة تمسك عليا غلطة.

قالت بصوت حاد:

— ماشي… بس إحنا عايزين نتغدى. هتأخروا؟

رديت:

— والله يا طنط إحنا غالباً هنتغدى بره وهنطول للرئيسي، فحضرتك واطلبي من ابنك يعملكم غدا أو تطلبوا دليفري، البيت بيتكم طبعاً!

قفلت الخط وهي بتغلي.

أمي كانت قاعدة جمبي في الكافيه، شايفاني بتكلم وبدأت تفهم. في الأول كانت خايفة، بس لما شافت إني بتكلم بقمة الأدب والاحترام ومن غير ما أشتان ولا أزعق، بدأت تبتسم. ولأول مرة من أشهر، شفت أمي بتشرب القهوة وهي مسترخية، بتتفرج على البحر من غير ما تفكر مين عايز شاي ومين عايز فوطة ومين زعلان من لون الزرع.

قضينا اليوم كله بره. لفين، واشترينا ورد جديد لأمي، وأكلنا غدا حلو، ورجعنا البيت على الساعة سبعة بالليل.

أول ما فتحنا باب البيت… المشهد كان يدرس.

الصالة كانت مكركبة. أطباق الفطار اللي عملوه بنفسهم كانت لسه على التربيزة ما اتشالتش. فناجين القهوة فاضية في كل مكان. وحماتي كانت قاعدة على نفس الكرسي في الشرفة… بس المرة دي مش مسترخية. كانت باصة للبحر بوش غاضب ومكشر، وجوزي قاعد جنبها شكله مرهق ومحتار.

أول ما دخلنا، حماتي قامت وقفت وقالت بصوت جوه غضب الصيف كله:

— أهلاً بالهوانم! أخيرًا شرفتوا؟ هو ده الكرم؟ هو ده الأصول؟ تسيبوا الضيوف طول اليوم من غير خدمة ولا مراعاة؟

أمي جت تتكلم وتعتذر كالعادة… مسكت إيدها بقوة، وقفت قدام حماتي، وبصيت في عينيها بمنتهى الهدوء وابتسمت ابتسامة صديدة وقلت:

— ضيوف؟ لا يا طنط… إنتي مش ضيفة. إنتي صاحبة بيت، مش إنتي اللي قلتي إمبارح لأمي “ماتعمليش كده تاني” وتدخلتي في ترتيب الشرفة كأنك صاحب المزرعة؟ صاحبة البيت ما بتبقاش ضيفة تتخدم… صاحبة البيت بتشيل معانا. لكن لو حضرتك ضيفة… يبقى الضيف بيحترم صاحب البيت، وما بيتأمرش عليه في بيته، ولا بيطلب منه يشيل زرعه علشان سيادته يستريح!

الجمال في اللحظة دي كان الصمت اللي حلّ على المكان.

حماتي وُجمت. جوزي بصلي بالرعب والدهشة، لأنه لأول مرة يفهم ليه أنا عملت كده الصبح وليه كنت ساكتة إمبارح.

حماتي تحول لون وشها وقالت وهي بتترعش من الغيظ:

— إنتي… إنتي بتكلميني أنا كده؟ إنتي بتقوليلي إني مش ضيفة؟

قلت لها بنفس التبات والأدب:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى