روايات وقصص

حكايات اسما 3

كنت بروح أشوف سليم كل يوم تقريبًا.

أغيرله هدومه.

أتعلم أمسك زجاجة الرضاعة.

وأحيانًا أقعد ساعة كاملة علشان أنيمه، وبعد ما ينام أخاف أتحرك علشان ما يصحاش.

وفي أول أسبوع حاولت أشتري له حاجات تكفي حضانة كاملة.

لما شافت الأكياس قالت:

— هو طفل واحد على فكرة.

قلت:

— معرفتش أختار.

ضحكت.

كانت أول مرة أسمع ضحكتها من يوم الطلاق.

ضحكت أنا كمان.

لكن ما حاولتش أقرب منها.

ولا طلبت منها نرجع.

كنت عارف إن وجود طفل بينا مش معناه إن مشاكل جوازنا اختفت.

بعد حوالي ثلاثة أسابيع، ظهرت نتائج الفحوصات المتخصصة.

رحنا للدكتور مع بعض.

كنت ماسك إيد سليم طول الوقت.

الدكتور شرح لنا إن النتائج ما أثبتتش وجود نفس الحالة القديمة بالصورة اللي كنا خايفين منها، لكن بسبب التاريخ العائلي والملاحظة اللي حصلت بعد الولادة، سليم هيحتاج متابعة منتظمة في الفترة الجاية.

طليقتي سألت:

— يعني نقدر نطمن؟

قال:

— نطمن إننا عرفنا نبدأ المتابعة بدري، لكن ما نهملش المواعيد والفحوصات.

خرجنا من عنده.

وقفت هي في ممر المستشفى وبكت.

المرة دي حضنت سليم وقالت:

— الحمد لله.

قلت:

— الحمد لله.

أما أخويا، فالموضوع بيني وبينه ما اتحلش في يوم وليلة.

اعتذر.

مش مرة.

مرات.

وأنا قلتله بوضوح:

— ممكن أسامحك في يوم، لكن الثقة هترجع بالأفعال، مش بالكلام.

وهو تقبل ده.

راح لطليقتي بنفسه واعتذر لها.

واعترف قدام أمي بكل اللي عمله.

أمي عيطت لما عرفت إنه كان بيتصرف من وراها.

لكن أغرب حاجة حصلت بعدها بأيام.

أمي طلبت مني أروح معاها مكان.

خدتني للمقابر.

وقفت قدام قبر صغير قديم.

الاسم كان شبه ممسوح.

ياسين.

أخويا اللي عمري ما عرفته.

أمي حطت ورد وقالت:

— سامحني إني ماحكيتلكش عنه.

قلت:

— ليه وافقتي إن أبويا يخبي الموضوع؟

قالت:

— بعد ما ياسين مات، أنا انهرت. كل حاجة في البيت كانت بتفكرني بيه. أبوك شال صوره وحاجاته علشان يساعدني أبدأ من جديد. ومع الوقت، السكوت بقى عادة.

سألتها:

— كنتي نسيتيه؟

بصتلي كأني سألت أغرب سؤال في الدنيا.

قالت:

— الأم ممكن تتعلم تعيش بعد ابنها… لكن عمرها ما بتنساه.

وقفت قدام قبر أخويا فترة طويلة.

وفهمت وقتها إن مش كل سر مستخبي وراه شر.

أحيانًا بيكون مستخبي وراه وجع الناس ماعرفتش تتعامل معاه.

عدت شهور.

سليم كبر.

بقى يضحك أول ما يشوفني.

وأنا بقيت أعرف من صوت عياطه هو جعان، ولا عايز ينام، ولا مجرد عايز حد يشيله.

أما أنا وطليقتي…

فضلنا منفصلين.

لكن علاقتنا اتغيرت.

بقينا بنتكلم.

نتناقش.

نختلف من غير ما نهدم كل حاجة.

وفي يوم، كنت عندها علشان أخد سليم وأقضي معاه اليوم.

لقيتها عاملة قهوة.

قالت:

— عندك وقت؟

ابتسمت.

— المرة دي عندي.

قعدنا.

فضلنا نتكلم حوالي ساعتين.

عن جوازنا.

عن أخطائنا.

عن الحاجات الحلوة.

وعن الحاجات اللي كسرتنا.

وفي الآخر قلت:

— عايز أسألك سؤال، ومش لازم تردي دلوقتي.

قالت:

— اسأل.

قلت:

— ممكن في يوم تديني فرصة أعرفك من جديد؟

بصتلي فترة.

قلت بسرعة:

— مش بقول نرجع بكرة. ومش عايزك ترجعي علشان سليم. أنا بس بطلب فرصة نبدأ من الصفر… ولو اكتشفنا إننا أصلح كأبو وأم بس، هحترم ده.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

وقالت:

— المرة دي على مهلك.

ضحكت.

— على مهلي.

مرت ست شهور تانية.

ماكانش فيه خاتم.

ولا حفلة.

ولا وعود كبيرة.

كان فيه حاجات أبسط.

قهوة الصبح.

زيارة للدكتور.

خروجة مع سليم.

اعتذار لما حد يغلط.

ومكالمة لو حد هيتأخر.

وحاجات كان المفروض نعملها من البداية.

وفي يوم، كنا قاعدين في جنينة صغيرة.

سليم كان في عربيته قدامنا.

بصتلي وقالت:

— فاكر أول ليلة جيت فيها البيت؟

ضحكت.

— كنت داخل أدور على راجل تاني.

قالت:

— ولقيت راجل صغير.

بصيت لسليم.

— أصغر راجل قلب حياتي كلها.

ضحكت.

وبعدين سكتنا.

مديت إيدي على الترابيزة.

المرة دي ما مسكتش إيدها من نفسي.

سيبت إيدي مكانها.

هي بصت لها.

وبعد لحظة…

حطت إيدها فوق إيدي.

قالت:

— ممكن نجرب تاني.

بصيت لها.

— متأكدة؟

قالت:

— نجرب… مش ننسى اللي حصل.

— ولا عايز أنساه.

لأن الحقيقة إن الطلاق ماكانش بسبب شخص تالت.

ولا بسبب خيانة.

ولا حتى بسبب سر العيلة.

إحنا وصلنا للطلاق لأننا، في وقت من الأوقات، بطلنا نسمع بعض.

وسليم ما رجعناش لبعض.

سليم بس أجبرنا نقف قدام الحقيقة.

أما الرجوع…

فكان قرار أخدناه إحنا الاتنين بعد ما اتعلمنا إن البيت مش بيتحافظ عليه بالفلوس ولا بالصمت ولا حتى بالحب لوحده.

بيتحافظ عليه بالكلام.

والثقة.

وإنك ما تاخدش قرار مكان الشخص اللي قدامك.

بعد سنة تقريبًا، كتبنا كتابنا من جديد.

من غير حفل كبير.

أمي كانت موجودة.

أخويا كان واقف بعيد وهو شايل سليم.

ولما المأذون خلص، بصيت لطليقتي…

أو بالأصح، مراتي من جديد.

وقلت لها:

— المرة الأولى وعدتك إني هديكي كل حاجة.

ابتسمت:

— والمرة دي؟

قلت:

— المرة دي مش هوعدك بحاجة كبيرة… غير إني أسمعك قبل ما أحكم، وأتكلم قبل ما أمشي.

قالت:

— وأنا كمان.

سليم ضحك في اللحظة دي.

أخويا قال:

— واضح إنه موافق.

ضحكنا كلنا.

وبعد ما رجعنا البيت في آخر اليوم، دخلت أوضة سليم.

كان نايم في سريره.

وقفت أتفرج عليه.

قبل سنة واحدة، كنت فاكر إن أكبر خسارة ممكن تحصل لي هي صفقة تضيع من شركتي.

لكن اتضح إني كنت على بعد خطوة من خسارة حاجة ماكانش أي مبلغ في الدنيا يقدر يرجعها.

ابني.

والست اللي حبيتها، لكن ماعرفتش أحافظ على المسافة بيننا من إنها تتحول لحائط.

وطبعًا…

فضل عندي الظرف القديم.

لكن ما خبتهوش.

حطيته في صندوق، ومعاه صورة ياسين

ولما سليم يكبر بما يكفي، هحكيله عنه.

مش علشان أخوفه.

لكن علشان يعرف إن كان عنده عم صغير عاش فترة قصيرة جدًا…

ومع ذلك، بعد عشرات السنين، كانت قصته سببًا في إن عيلتنا تتعلم درسًا ماكانش حد فينا قادر يفهمه:

الأسرار اللي بنخبيها علشان نحمي اللي بنحبهم… ساعات بتوجعهم أكتر من الحقيقة نفسها.

تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى