روايات وقصص

أختي كانت كل شوية تقول بهزار1

بدأت الهمسات تتصاعد بين الحاضرين، ونظر أبي لها بنظرة هادئة وحازمة، بينما حاولت أمي التهدئة قائلة:
— «يا جماعة اهدوا، الموضوع مش مستاهل كل التوتر ده، هي كانت بتقول كلام من غير قصد…»

قاطعها أبي بصوت حازم أوقف النقاش:
— «لا يا أم فلان، التوضيح كان لازم منه! تصرفاتها بقالها فترة محتاجة وقفة، واللي حصل النهاردة قدام عيني بيوضح إن فيه تجاوز في الحدود. يابنتي أنتِ غلطتِ في حق اختك وحق بيتها، وعيب كبير الأسلوب ده!»

ظهر التأثر على وجه أختي، ولكن هذه المرة من شدة الموقف بعدما وضعت العائلة الحدود بوضوح أمام الجميع. وقفت بسرعة من على الكرسي، ورمقتني بنظرةعاتبة، ثم التفتت إلى زوجي وقالت بصوت متهدج:
— «أنتم كلكم شايفين إن أنا لوحدي الغلطانة! ماشي يا اختي، شكراً على الوقفة اللي وقفة معايا في أزمتي!»

أخذت حقيبتها وابتعدت نحو الباب الخارجي وهي غاضبة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. ساد الصمت لثوانٍ معدودة في الصالة، وحاول بعض الأقارب تلطيف الجو، بينما جلس أبي وهو يؤكد على ضرورة احترام البيوت، أما زوجي فنظر إليّ واقترب مني، ووضع يده على كتفي ليطمئنني أنه أخذ موقفه بحكمة لحمايتي وحماية استقرار بيتنا.

على الرغم من الانزعاج الذي حلّ على العزومة، إلا أنني شعرت براحة وارتياح في صدري، لأن الحدود وُضعت أخيراً، ولأن المواقف التي كانت تؤثر على مشاعري وبناء بيتي انتهت بوضوح وأمام الجميع، لكنني كنت أعلم داخل قلبي أن هذه الخطوة ستتطلب بعض الوقت لتعود الأمور لطبيعتها.

مرت عدة أيام بعد تلك الليلة العصيبة، وكانت أجواء العائلة مشحونة بالتوتر. تحولت المكالمات الهاتفية بين أمي وبيني إلى نقاشات هادئة حول العتاب المبطن؛ كانت أمي ترى أن ما فعله زوجي كان مباشراً زيادة عن اللزوم وأن أختي بحاجة لاحتواء أكبر، في حين كنت أرى أن ما حدث كان الحد الفاصل الضروري لإيقاف وضع كاد يعصف باستقرار بيتي.

أما أختي، فقد قللت التواصل معنا لفترة، وأغلقت باب النقاش مؤقتاً. كانت تتصرف بحساسية شديدة تجاه ما حدث، ونجحت في كسب تعاطف بعض القريبات اللاتي لم يكنّ حاضرين الواقعة كاملة، وأصبحن يتهامسن بأن الموقف كان قاسياً بعض الشيء.

في مساء أحد الأيام، وبعد مرور أسبوع تقريباً على الواقعة، كنت أجلس مع زوجي في الصالة نتناول الشاي ونحاول تجاوز ما حدث. فجأة، سمعنا جرس الباب يرن بدقات متتالية تشي برغبة في الحديث السريع.

تطلعنا إلى بعضنا البعض باستغراب، ثم قام زوجي وفتح الباب. كانت المفاجأة أن أختي هي من تقف على العتبة، لكن هيئتها هذه المرة كانت مختلفة تماماً؛ كانت ترتدي ملابس عادية وبسيطة، وعيناها تبدوان متعبة ووجهها يحمل شيئاً من القلق.

دخلت إلى الشقة بهدوء، وقبل أن تنطق بحرف، جلست على الكرسي وهي تبكي بأسى واضح وتقول بصوت متقطع:
— «حقكم عليا… سامحوني، أنا أسفة على كل حاجة قلتها أو عملتها… أنا ماليش غيركم في الدنيا دي كلها!»

ذهلت من ردة فعلها، ونظرت إلى زوجي الذي وقف متفاحئاً بدوره ولم يعرف كيف يتصرف بحكمة. أخذتها من يدها وجعلتها تهداً على الأريكة، وأسرعت للمطبخ لأحضر لها كوباً من الماء وأنا أحاول فهم سبب هذا التحول المفاجئ. هل كانت دموع ندم حقيقي؟ أم أنها رغبة في إنهاء القطيعة والعودة للتقرب من بيتنا بشكل صحي؟

عندما قدمت لها الماء، كانت يداها ترتجفان قليلاً. بلعت ريقها بصعوبة وقالت وهي تنظر إلى الأرض وتتحاشى النظر المباشر:
— «أنا عارفة إني زودتها الفترة اللي فاتت، وعارفة إن كلامي وهزاري كان سخيف وزعلكم مني حقكم… بس والله العظيم أنا كنت حاسة بإحباط وكسرة نفس مش طبيعية بعد طلاقي. كنت شايفاكِ مبسوطة وجوزك مهتم بيكي وشايل المسؤولية، وحسيت بفراغ كبير ملت قلبي من غير ما أحس، واستسهلت الكلام الغبي ده عشان أعوض الخسارة اللي أكلت روحي.»

نظرت إليها وصمتت، فتابعت بصوت هادئ وهي تسترخي أكثر:
— «لكن الموقف اللي حصل قدام العيلة فاقني… والمصيبة مش في كده بس. طليقي عرف باللي حصل في العزومة! للأسف طليقي بيتابع أخباري، ووصلتله الأخبار وحصلت مشادة بيننا في التليفون امبارح، وهددني إنه هياخد حضانة الولاد مني لو ما بطلتش الأسلوب ده والكلام اللي بيتقال!»

وقع الكلام علينا كالصاعقة. كان الواضح أن تصرفاتها واستهتارها أدى إلى عواقب أكبر بكثير مما توقعت هي نفسها. لم تكن تبحث عن مشاكل بقدر ما كانت تتصرف بطريقة غير محسوبة نتيجة واقعها المؤلم، لكن الأمور أصبحت تخص أطفالها ومستقبلها العائلي.

وقف زوجي، وزفر بنفاذ صبر، لكن نبرته هذه المرة خلت من أي قسوة، وقال لها بجدية تامة:
— «شوف يا فلانة… أنا مش حاقد عليكي ولا أكرهك، أنتِ أخت مراتي وفي مقام أختي، لكن اللي كان بيحصل كان خط أحمر للبيت ده. لو أنتِ معترفة بغلطك بجد، وندمانة عليه، أنا ومسألة طليقك دي ممكن نتدخل فيها وأنا مستعد أكلمه بنفسي وأفهمه إن الموضوع كان مجرد سوء فهم عائلي ومزاح غير مقبول وأنه انتهى في ساعتها، عشان خاطر ولادك وبس… لكن بشرط واحد وواضح ومش هتنازل عنه.»

رفعت أختي رأسها بلهفة، ومسحت دموعها بسرعة وسألته باهتمام:
— «شرط إيه؟ أنا مستعدة أعمل أي حاجة بس أولادي ما يروحوش مني وطليقي يسكت ويقفل الموضوع!»

نظر إليها زوجي بصرامة وقال:
— «الشرط إنك تحترمي البيت ده وتحترمي حدودك تماماً، والزيارات ترجع في حدود الأصول والمناسبات وبوجود والدك أو أمك، وتبطلي أي نوع من أنواع المزاح المرفوض. لو وافقتي واعتذرتِ لأختك بجد ورجعتِ لعقلك، أنا هقف جنبك كأخ وهحل لك مشكلتك مع طليقك النهاردة قبل بكرة.»

التفتت أختي إليّ والدموع تغرق وجهها، وأمسكت بيدي بشدة قائلة:
— «سامحيني يا اختي… أنا كنت غلطانة، ومش هسمح لنفسي أكرر الغلطة دي تاني أبداً.»
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى