
راجعت الرسائل مرة واتنين، على أمل ألاقي أي حاجة تفسر اللي حصل، لكن مكنش فيه أي تفسير.
لو كان رايح نوكسفيل فعلًا، ليه مخبرنيش؟
وليه حماتي مكنتش عايزة تقولي هو موجود فين؟
قررت إني مش هفضل مستنية لحد الصبح علشان أعرف الحقيقة.
حجزت عربية مع سواق، ودفعتله مبلغ إضافي علشان يفضل مستنيني لحد ما أخلص اللي ورايا.
وبعدها، اتحركنا ناحية نوكسفيل.
طول الطريق، المطر كان بينزل بغزارة، والطريق كان شبه فاضي، والظلام حوالينا كان تقيل بشكل يخلي أي صوت صغير جوه العربية واضح جدًا.
كنت قاعدة في الكرسي الخلفي، ماسكة موبايلي، وبراجع رسائل دانيال من جديد.
كل ما أفتكر كلام حماتي، أحس إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
بعد حوالي تلات ساعات، بدأنا نقرب من المنطقة اللي فيها البيت.
طلبت من السواق يقف قبل البيت بشارع كامل.
مكنتش عايزة حد يشوف العربية وهي بتوصل، خصوصًا لو كان فيه حد مستنيني أو بيراقب الطريق.
نزلت، وشكرته، وطلبت منه يستناني في نفس المكان لحد ما أرجع.
وبعدين مشيت ناحية البيت على رجلي.
كنت متوقعة أشوف عربيات كتير في المدخل، أو على الأقل ألاقي حد من قرايب دانيال موجود، خصوصًا بعد حادثة مفاجئة زي دي.
لكن اللي شفته كان غريب.
المدخل كان فاضي تمامًا.
مفيش عربيات إسعاف، ولا شرطة، ولا أي حركة تدل على إن حد مات في البيت من ساعات.
حتى الشبابيك كانت مقفولة، ومفيش أي حركة ورا الستائر.
لكن لما قربت من الباب الأمامي، لاحظت إنه موارب.
وقفت للحظة، وبصيت حواليّا.
كان ممكن أرجع للعربية وأتصل بالشرطة، لكن كان لازم أعرف إيه اللي بيحصل جوه الأول.
دفعت الباب براحة، ودخلت من غير ما أعمل أي صوت.
البيت كان هادي بشكل مريب.
كان فيه أباجورة صغيرة منورة جنب السلم، وضوءها الخافت واقع على الأرض وعلى أول درجات السلم الخشبي.
بدأت أتحرك بحذر، وأنا بحاول أسمع أي صوت يدل على وجود حد في المكان.
ولما وصلت عند سور السلم، سمعت صوت ست بيتكلم من جوه أوضة دانيال القديمة اللي فوق.
الصوت كان واضح بما يكفي إني أسمع السؤال اللي قالته:
«إنت متأكد إن مراتك هتمضي؟»
اتجمدت في مكاني.
مكنتش عارفة الست دي مين، ولا كانت بتتكلم عن إيه بالضبط.
لكن قبل ما أقدر أفكر، سمعت صوت راجل بيرد عليها.
صوت خلاني أنسى أتنفس.
قال:
«مايا بتثق فيا. وماما هتعرف تقنعها.»
كان صوت دانيال.
جوزي.
نفس الصوت اللي سمعته آلاف المرات وأنا نايمة جنبه، ونفس الصوت اللي كان بيناديني من آخر البيت، ونفس الصوت اللي كنت بسمعه وسط الزحمة أو في مكالمات التليفون.
مستحيل أكون غلطانة.
دانيال كان موجود فوق.
دانيال اللي حماتي اتصلت بيا من شوية وقالتلي إنه مات!
حطيت إيدي على بقي علشان أمنع نفسي من إصدار أي صوت، وفضلت واقفة مكاني وأنا بحاول أستوعب اللي سمعته.
كنت محتاجة أتأكد إني مش بتخيل، وإن الصدمة اللي أنا فيها مش خلتني أسمع أصوات مش موجودة.
لكن صوت الست رجع تاني، وهي بتسأل دانيال:
«طب ولو مراتك طلبت يفتحوا التابوت؟ هتعمل إيه ساعتها؟»
سمعته يضحك ضحكة خفيفة، وبعدها قال بكل هدوء:
«هنقول إن الوقعة شوّهت وشه. هي مش هتحب تشوفه بالشكل ده، ومش هتطلب يفتحوه.»
حسيت ببرودة بتجري في جسمي كله.
كان بيتكلم عن جنازته!
كان بيرتب كل حاجة علشان الناس تصدق إنه مات، وفي الوقت نفسه كان قاعد فوق بيت أمه، عايش وبيتكلم ويضحك كأن مفيش أي حاجة بتحصل.
لكن اللي سمعته بعد كده كان أسوأ بكتير…………
في اللحظة اللي قال فيها الجملة دي، حسيت كأن السقف بيقع فوق دماغي.
مش مجرد صدمة أو خيانة عادية، دي كانت مؤامرة مدبرة بكل برود أعصاب لقتل شخصيتي ومحو وجودي القانوني والمالي، وكأنهم بيخططوا لإعدامي وأنا لسه عايشة.
«مش هتطلب يفتحوه»… الجملة دي ترددت في وداني زي صوت الجرس المزعج.
هو ده السر اللي كانت حماتي بتعيط عشانه؟ مش حزنًا على ابنها، ده كان رعب لإنها عارفة الخدعة، وبتساعده ينفذها!
أنا مايا رينولدز، وخلال عشر سنين في شغلي، شفت مئات محاولات الاحتيال والسرقة اللي أصحابها كانوا فاكرين إنهم فكروا في كل ثغرة، وغالبًا كانت بتبقى فيه ثغرة صغيرة هي اللي بتوقعهم. ودانيال، رغم ذكائه ورجال الأعمال اللي بيدير شركتهم، ساب وراه ثغرة ضخمة.. هو نسي تمامًا مين مراته وإيه هي طبيعة شغلها.
بدأت أتحرك ببطء شديد، من غير ما أعمل أي صوت على السلم الخشبي. كل دراجة كنت بطلعها، كنت بوزن فيها وزني بحذر. وصلت لحد آخر السلم، ولقيت باب أوضة دانيال القديمة موارب بحوالي خمس سنتيمترات.
بصيت جوه بحذر شديد.
الضوء الخافت كان جاي من أباجورة قديمة على الكومودينو. دانيال كان قاعد على الكرسي، بيلعب بقلم في إيده وبيلف بصواني ورق قدامه. جنبه كانت واقفة ست شابة، ملامحها مش غريبة عليا قوي.. أيوه، دي “لارا”، سكرتيرته الخاصة في الشركة، والست اللي كانت دايمًا بتظهر في مناسبات الشغل الرسمية.
لارا بصت لدانيال وقالت بنبرة فيها قلق خفيف:
«يا دانيال، برضه أنا خايفة. الطريقة دي خطيرة. لو مايا شكت في أي حاجة، أو طلبت تدخل الشرطة أو التحقيق في سبب السقوط، كل اللي بنيناه هيضيع في لحظة.»
دانيال وقف، وضحك بصوت عالي شوية وقال بثقة غرور واضحة:
«تطلب شرطة إيه يا لارا؟ أمي هتعمل اللي عليه وزيادة. بكرة الصبح لما مايا تيجي هنا، هتلاقي التابوت جاهز ومقفول، والناس كلها هتعيط، وأمي هتقولها إن الجثة متدمرة تمامًا وإنه مينفعش يتشاف. ومايا بطبيعتها هتكش وتنكسر وتصدق، زي العادة. وبعدين؟ بعد ما يخلصوا الدفن، أنا هكون بعيد تمامًا.. في دولة تانية، ومعايا كل أموال الشركة وأسهم التامين اللي كتبناها بالنص بالنص. بوليصة التأمين دي لوحدها هتعيشنا ملكة وملكة لآخر عمرنا.»
ساعتها بس كل حاجة اتجمعت في دماغي زي قطع البازل.
دانيال مكنش بيمثل الموت عشان خاطر عيون لارا وبس، ده كان هارب من ديون ضخمة على الشركة، أو كان بيخطط لسرقة كل أموال الأصول وأسهم التأمين اللي قيمتها تتعدى ملايين الدولارات، وكان محتاج “شخص ميت” قانونيًا عشان يقفل بيه ملفاته المالية، ويفتح حياة جديدة برا حدود البلد، والتابوت المقفول هو الستارة اللي هيختفي وراها للأبد.
وأنا؟ أنا كنت مجرد “الشاهد الأعمى” اللي المفروض يوقع على أوراق التركة وتصاريح الدفن من غير ما تسأل، عشان يب3عوا كل حاجة وياخدوا الفلوس ويهربوا، ويسيبوني أنا أشيل الليلة لوحدي قدام القانون والشرطة!
حسيت بنار بتغلي في عروقي. الغضب المكتوم اتحول لجبروت وهدوء حاد. ده مش وقت عياط ولا انهيار؛ دي معركة بيني وبينه، وفي المعركة دي، أنا معي سلاح هو جاهل بيه تمامًا: خبرتي في كشف التزوير ومراجعة المخزون والثغرات اللي مش راكبة على بعضها.
طلعت تليفوني من جيبي بهدوء، فتحت الكاميرا، وعدلت الزاوية بحيث تجيب وش دانيال ولارا وهما بيتكلموا بوضوح تام، ووثقت بالفيديو كل تفاصيل المؤامرة، بما فيهم الأوراق والمستندات المالية اللي كانت على المكتب.
بس وأنا بصور، حصل اللي لم يكن في الحسبان.
موبايلى كان على وضع “الاهتزاز”، وفجأة.. رسايل كتير ورا بعضها دخلت، والاهتزاز عمل صوت خفيف ومسموع في سكون الأوضة: “ززز… ززز… ززز”.
دانيال ولارا اتجمدوا في مكانهم.
لارا بصت ناحية الباب وقالت بصوت مرعوب:
«دانيال.. سمعت؟ الصوت جه من برا!»
دانيال كشر، وساب القلم من إيده، وبص ناحية الباب نظرة كلها شك وارتياب، وبدأ يقرب بخطوات بطيئة ناحية السلم.
قلبي دق بسررعة، وبدأت أرجع لورا بخطوات سريعة وصامتة. لو شافني دلوقتي، ممكن يخلص عليا هنا، في بيت أمه المظلم، ومحدش هيعرف لي طريق أصلًا لأنهم جهزوا قصة موتي من قبل ما أوصل!
نزلت السلم بسرعة، بس في وسط العجلة، رجلي خبطت في طرف السجادة القديمة على الدرجة التالتة، وطلعت صوت خفيف: “تخ!”.
سمعت دانيال بيصرخ من فوق بصوت مرعب:
«مين هناك؟! مين برة؟!»
مستنيتش أسمع باقي كلامه. جريت بأقصى سرعة عندي ناحية الباب الأمامي، فتحته وخرجت لبرة في عز المطر والضلمة، وقفلت الباب ورايا بهدوء من غير ما أعمل صوت ضخم.
جريت في الشارع المظلم، والمطر كان بيغسل وشي، بس الدم الي في عروقي كان بيغلي. وصلت للعربية اللي السواق كان مستناني فيها على بعد شارع، فتحت الباب ورميت نفسي جوه وأنا بنهج بشدة.
السواق بص لي باستغراب وقال بقلق:
«يا فندم.. إنتِ كويسة؟ شكلك مرعوب! نحرك العربية؟»
رديت بصوت حاسم ومبحوح، وأنا بمسح المطر من على جبيني وعيني مليانة تصميم وقوة:
«حرك العربية.. وعلى أقرب قسم شرطة في المدينة! اللعبة اتغيرت خالص يا دانيال.. وبكرة الصبح، إنت اللي هتموت بجد!»


