روايات وقصص

حكايات امانى 1

أختي عمرها ما حبت مراتي، ومن أول يوم وهي شايفة إنها أقل مننا، وكأنها مش من مستوانا ولا تستحق تكون واحدة من عيلتنا. حاولت كتير أقربهم من بعض، وكل مرة كنت أقول لأختي: دي مراتي، ومفروض تحترميها وتحاولي تحبيها عشاني. لكنها كانت بتضحك وترد عليَّ باستهانة: ـ مين دي أصلًا اللي عايز تساويني بيها؟!

ومع الوقت، أختي بدأت تلعب في دماغي بطريقة ما كنتش واخد بالي منها.
كل شوية تتصل بيا:
ـ تعالى نخرج شوية… وحشتني.
كنت أروح لها، ألاقي صحابها قاعدين، وكل واحدة فيهم شكلها ولبسها وطريقتها مختلفة تمامًا عن مراتي.
كانت تتعمد تبص لي وتقول:
ـ بص كده… شايف الفرق؟ شوف أصحابى عاملين إزاي، شوف مراتك!
في الأول كنت بتضايق من كلامها، لكن مع تكراره مرة ورا مرة، بدأت أشوف مراتي بعيني أختي.
وبدأت المقارنات تكبر جوايا… لحد ما بقيت مش طايق أقعد في بيتي.
لحد اليوم اللي اتعرفت فيه على “ليا”… صاحبة أختي.
ليا كانت جميلة، مدللة، وبتعرف تتكلم وتخلي اللي قدامها يحس إنه أهم شخص في الدنيا.
ومع كل كلمة منها، كنت بحس إني بانجذب ليها أكتر.
لحد ما وقعت في حبها فعلًا.
ولما قلت لأختي إني عايز أرتبط بليا، بدل ما توقفني أو تفكرني بمراتي، لقيتها بتشجعني بكل قوتها.
ـ أخيرًا هتختار واحدة تليق بيك!
ارتبطت بليا، وبدأت أعيش معاها حياة مختلفة تمامًا… لحد ما في يوم جات لي وهي متضایقة وقالت:
ـ أنا صحابي كلهم بيقولولي: إنتِ إزاي قابلة بالوضع ده؟! وماما وبابا كمان شايفين إن لازم تفركش الموضوع.
بصيت لها وسألتها:
ـ وإيه العمل؟
سكتت شوية، وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
ـ تطلق مراتك.
والأغرب إني ما قاومتش.
روحت للمأذون وليا معايا عشان تتاكد انى طلقت مراتى ، وطلقت مراتي غيابي… من غير حتى ما أديها فرصة تسألني: ليه؟
رجعت بيتي وقتها وأنا عارف إن في حاجة جوايا كانت بتمنعني أواجهها بالحقيقة، لكن بدل ما أسمع صوت ضميري، كملت في الطريق اللي أختي وليا رسموهولي.
وبعدها اتجوزت ليا.
لكن أختي كان لسه عندها حساب قديم مع مراتي.
وعشان تنتقم منها وتقهرها، قررت تعمل حاجة ما خطرتش على بالي.
عزمتها على الفرح!
وفعلًا… يوم الفرح، عملته فى فندق كبير وعزمت كل أصحابنا وقرايبنا.
ظهرت مراتي السابقة وسط الناس، وأنا شايل ليا وبلف بيها وبرقص معاها.
وأول ما شافتني، قربت مني وهي مش مستوعبة اللي حصل، وقالت بصوت مليان وجع:
ـ إزاي تعمل فيا كده؟
رديت ببرود:
ـ وإنتِ بأي حق تتكلمي معايا كده؟
بصت لي وهي منهارة، وقالت:
ـ بأي حق؟! أنا مراتك!
وقبل ما أكمل كلمة، أختي قربت منها وهي بتضحك بسخرية، وبصت لها من فوق لتحت وقالت قدام الكل:
ـ مراتك؟! إنتِ لسه فاكرة نفسك مراته؟
سكتت مراتي، فتابعت أختي وهي تقصد تجرحها بكل كلمة:
ـ أخويا مطلقك عند المأذون من بدري، وإنتِ أصلًا كنتِ مجرد مرحلة خلصت… كان وقتك وراح، خلاص أخويا اختار واحدة تانية تليق ببيئته ومستواه، وإنتِ خلاص بقيتي صفحة وطويناها.
ثم ضحكت وقالت:
ـ ولا إنتِ جاية الفرح ليه؟ كنتِ فاكرة إنك لسه واحدة من العيلة؟ فوقي لنفسك… أخويا اختار واحدة تانية.
انكسرت نظرات مراتي السابقة -أو اللي كانت مراتي- قدام كلام أختي. المكان كله كان ساكت، وكل العيون معلقة علينا، المعازيم بيتهامسوا، والوجع كان ماليهم في عينيها بطريقة تخلّي أي قلب يتقطع. ما نطقتش ولا كلمة، بصلتي بصه عمرها ما هتفارق خيالي، بصه فيها خيبة أمل وقرف وكبرياء مجروح، وبعدين لفت ضهرها ومشيت بخطوات ثابتة رغم الانهيار اللي كان باين على كتفها.
أختي كمّلت ضحكتها وهي بتبص للموجودين وكأنها انتصرت في معركة، ولفت لي وقالت بصوت عالي عشان الكل يسمع:
ـ خلاص يا حبيبي، المعزومة غير المرغوب فيها مشيت، كمل فرحك وفرفش!
مسكت إيد ليا، وحاولت أبتسم، لكن الابتسامة كانت ميتة على شفايفي. ليا كانت حاضناني وبتضحك ومبسوطة إنها خدت كل حاجة، لكن جوايا كان فيه صوت مكتوم بدأ يصرخ. الموسيقى رجعت اشتغلت، والناس بدأت ترقص تاني، بس الفرح بالنسبة لي انتهى عند اللحظة دي. بقينا نتحرك زي عرايس المولد، أسلّم على ده وأضحك لده، وعيني غصب عني بتدور على الباب اللي خرجت منه.
عدت ليلة الفرح، وسافرنا نقضي شهر العسل في مكان فخم زي ما ليا كانت بتحلم. من برة، كنا بنعيش الحياة اللي أختي كانت بتقنعني إنها “تليق بيا”. خروج، وسهر، وصور بتتنزل كل ساعة، ومشتريات من أغلى الماركات. بس من جوة، بدأت النظارة الوردية تقع من على عيني واحدة واحدة.
ليا ما كانتش زي ما تخيلت. الدلال اللي كان عاجبني فيها وأنا بشوفها من بعيد، تحول لطلب مستمر للسيطرة والمتطلبات اللي ما بتخلصش. كانت بتتعامل معايا وكأني مجرد وسيلة عشان تحقق بيها منظرتها قدام صحابها. أي نقاش بسيط بيننا كان بينتهي بإنها ترفع صوتها وتفكرني إنها “تنازلت” عشان تجوزني وإني لازم أعمل كل اللي هي عايزاه.
وفي يوم، وأحنا قاعدين في مطعم فخم، لقيتها بتطلب أكل غالي جدًا وسبت الأكل كله وما أكلتش منه غير معلقة واحدة.
قلت لها بهدوء:
ـ ليا، حرام.. الأكل ده كله هيترمى، ليه طلبتي كل ده وأنتِ عارفة إنك مش هتاكلي؟
بصت لي ببرود ورتّبت أظافرها وقالت:
ـ عادي يا حبيبي، ما تضيقهاش على نفسك.. وبعدين الشيك مش كتير عليك يعني، ولا إنت بدأت تحسبها زي زمان؟
الكلمة نزلت عليا زي السوط. “زمان” كانت تقصد بيه حياتي مع مراتي الأولى. حياتي اللي كانت هادية، المليانة رضا ودفا، اللي كانت بتخاف فيه على قرشي وتستحمل معايا وتعمل من لا شيء بيت دافي.
رجعت من السفر، ودخلت بيتي الجديد اللي ليا اختارت كل قطعة عفش فيه بعناية، بس البيت كان بارد.. مالوش روح. أختي كانت بتزورنا تقريبًا كل يوم، تدخل البيت وكأنها صاحبة الملك، تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ولما كنت أحاول أقول كلمة، كانت ليا وأختي يقفوا قصاد بعض ويتريقوا عليا.
اكتشفت إن أختي ما كانتش بتعمل كل ده عشاني أو عشان خايفة على مصلحتي زي ما أوهمتني.. أختي كانت بتستخدم ليا عشان تفرض سيطرتها عليا، وتخلص من الشخص الوحيد اللي كان بيفصلني عنها وعن تحكماتها: مراتي القديمة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى