
في يوم، أختي كانت قاعدة عندنا، ولما فتحت التليفون، لقيت بالصدفة بوست نازل على الفيسبوك. كانت صورة لمراتي السابقة.. كانت متصورة في معرض فني صغير، شكلها كان متغير تمامًا. وشها كان فيه هدوء وقوة ما شفتهمش قبل كده، لابسة بسيط بس شيك جدًا، وتحت الصورة مكتوب تهنئة لها على افتتاح مشروعها الخاص اللي كانت بتحلم بيه طول عمرها وأنا كنت دايماً بنشغل عنها وما بساعدهاش فيه.
قلبي دق بسرعة، وبقيت أطالع الصورة ومش قادر أخرج منها.
أختي لمحتني وأنا بصاص في التليفون، سحبت التليفون من إيدي فجأة وقالت بسخرية:
ـ بصيت على إيه؟.. أوعى تكون بتفكر في المجهولة دي؟
ليا قربت وقرت اسم الصفحة، وضحكت بصوت عالي:
ـ هي دي؟.. هي فاكرة نفسها كبرت يعنى عشان عملت حتة محل؟
أختي كملت كلامها وهي بتقول:
ـ سيبك منها، هي حبت تعمل شو قدام الناس عشان تداري كسرتها يوم الفرح.. بس على مين؟ هي عارفة حجمها كويس.
في اللحظة دي، حسيت بقرف شديد.. من أختي، ومن ليا، وأكتر حاجة من نفسي.
وقفت وجبت التليفون من إيد أختي بعنف، وقلت بصوت واطي بس مرعب:
ـ بس!.. كفاية بقى! أقسم بالله كلمة كمان ومش هيحصل طيب!
ليا قامت من مكانها ومسكت فيا وقالت بزعيق:
ـ إنت بتعلي صوتك على أختك عشان دي؟ إنت اتجننت ولا إيه؟ فوق لنفسك يا بابا، إنت نسيت إنت مين وهي مين؟
بصلتهم هما الاتنين.. كنت شايف اتنين شبه بعض تمامًا، نفس السطحية، نفس الغل، ونفس الفراغ. لأول مرة أشوف أختي على حقيقتها، ولأول مرة أدرك ليا كانت داخلة حياتي ليه.
سبت البيت وخرجت، مشيت في الشوارع من غير هدف. الليل كان بارد، وكل خطوة كنت بمشيها كانت بتفكرني بذكرياتي مع مراتي الأولى. افتكرت لما كانت بتسهر معايا وأنا تعبان، لما كانت بتقسم معايا القرش، لما كانت بتقول لي: “أنا مش عايزة من الدنيا غير إنك تكون مرتاح”. وأنا.. أنا بعتها عشان مظاهر كدابة، عشان أثبت لأختي إني في مستواهم.
قررت أروح المكان اللي فيه مشروعها. مشيت لحد ما وصلت قدام المحل. كانت الأنوار مطفية، بس هي كانت جوة بتلم حاجتها قبل ما تقفل.
وقفت ورا الإزاز أراقبها. كانت بتمشي بهدوء، ابتسامتها رايقة، ومفيش على وشها أي أثر للكسرة اللي كانوا فاكرين إنهم سابوها فيها. هي كانت بتتعافى.. كانت بتكبر وتندمل جروحها، وأنا اللي كنت بغرق في الوحلة اللي اخترتها بنفسي.
لمحتني وأنا واقف.
سكنت لحظة، ونظرت لي من ورا الإزاز. ما كانش في عينيها كره، ولا كان فيها غضب.. كان فيها حاجة أصعب بكثير: كان فيها “لاشيء”. كانت بتبص لي وكأني غريب تمامًا، شخص ما تعرفوش وما يخصهاش.
فتحت باب المحل وخرجت، وقفت على بُعد خطوات مني وقالت بنبرة هادية جدًا خلّت جسمي يقشعر:
ـ خير؟ جاي ليه يا ابن الناس؟
لساني اتعقد، الحروف كانت بتتهرب مني، أرد أقول إيه؟ أقول لها إني اكتشفت إني غبي؟ أقول لها إني اتخدعت؟
قربت خطوة وقلت بصوت متقطع:
ـ أنا.. أنا آسف. أنا ظلمتك يا..
قطعت كلامي بإيدها وهي بتهز رأسها بنفي، وابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
ـ الأسف ده تقول لنفسك مش ليا.. أنت ما ظلمتنيش، أنت أنقذتني. أنت كشفت لي إن مكانتي ما كانتش عندك، وإنك ما استاهلتش لحظة واحدة من عمري اللي ضاع معاك.
كملت كلامها وهي بتبص في عيني بثبات:
ـ الفرح اللي أختك عزمتني عليه عشان تقهرني؟ كان أكبر درس لي. من الليلة دي، أنا دفنت الماضي.. والنهارده أنا بتولد من جديد. ياريت ما اشوفش وشك هنا تاني، عشان ما بفتكرش أيام كنت بتمنى أنساها.
لفت ضهرها ودخلت المحل وقفلته بالمفتاح، وسابتني واقف في الشارع وسط الضلمة والبرد، وحاسس إن السقف كله وقع فوق دماغي.
رجعت البيت وأنا جثة هامدة. لقيت ليا قاعدة في الصالة، مستنياني وعينيه بتطق شرار، وأختي كانت لسه موجودة.
أول ما دخلت، ليا وقفت وقالت بصوت عالي:
ـ كنت فين كل ده؟ وبترد على أختك كده ليه؟ إنت فاكر نفسك إيه؟ إحنا لازم نحط حدود للموضوع ده من دلوقتي!
بصلتها طويلة، وبعدين بصيت لأختي اللي كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها ومستنية الشجار يشتعل.
قلت بنبرة ميتة:
ـ ليا.. لمي هدومك وروحي بيت أهلك.
المكان ساد فيه صمت قاتل. أختي برقت بذهول، وليا صرخت:
ـ إنت بتقول إيه؟ إنت اتجننت؟!
قلت وأنا ببعدهم وبمشى ناحية الأوضة:
ـ اللي سمعتوه.. أنا انتهيت، واللعبة اللي لعبتوها عليا خلاص خلصت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


