عام

حكايات شروق 1

أما أنا، فكنت قاعدة في المقعد الخلفي، عيني على ابني الصغير النايم في أمان، وبفكر في كل كلمة هتقال قدام جد آسر، الحاج محمود الشاذلي، الأب الروحي للعائلة والعمود الفقري لكل أملاكها وسلطتها.
لما وصلنا أمام القصر الكبير في الزمالك، بوابات الحديد الضخمة اتفتحت فوراً. نزلنا، وكانت عربية تانية واصلة في نفس اللحظة.. عربية شهد وبنتها.
شهد نزلت ووشها أصفر، عينيها مهزوزة، وماسكة إيد بنتها الصغيرة اللي كانت باصة للمكان برعب من فخامة البوابات والحديقة. آسر قرب منها بسرعة وقال بصوت هامس وغاضب:
“إنتي إيه اللي جابك هنا؟ أنا ما طلبتش منك تيجي!”
وقبل ما شهد ترد، كنت أنا جنبه وقولت بصوت هادئ ومسموع:
“أنا اللي عزمتها يا آسر.. مش عيب برضو؟ القصر الجديد ده بقى بيتها، ومن حق عائلة الشاذلي تتعرف على المالكة الجديدة رسمياً.”
آسر بص لي بغضب تدمري، لكنه ما قدرش ينطق بكلمة واحدة قدام الحارس الشخصي للجد اللي كان واقف على باب القصر الكبير وبيبص لنا بنظرة صارمة وقال:
“الحاج محمود مستنيكم جوة في صالون الاستقبال الكبير.. الكل هناك.”
دخلنا الصالون.. والمشهد كان مرعباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
الحاج محمود قاعد على كرسيه الجلدي القديم، وماسك عصايته الخشبية بإيد ثابتة ومرعبة. وعلى يمينه قاعد عم آسر، رجل أعمال مخضرم، وعلى الشمال باقي أفراد العائلة اللي كانوا بيبصوا لنا بنظرات متراوحة بين الصدمة والذهول.
الحاج محمود ما بصلش لآسر الأول.. بصل لي أنا، وقال بصوته العميق اللي بيهز الجدران:
“أهلاً يا فريدة يا بنتي.. تعالي اقعدي جنب عمك.”
مشيت بهدوء، وقعدت، وابتني لسه في حضني. آسر وقف في نص الصالون، وشهد دخلت ورافت بخطوات بطيئة، كأنها ماشية على حد السكين، وبنتها مخبتة نفسها في فستانها.
الحاج محمود سند دقنه على عصايته وبص لآسر وقال ببرود مرعب:
“سمعت يا آسر إنك بقيت كريم قوي الأيام دي.. بتقولي اشتريت عقار لشغالة عندك؟ ولا أقول مساعدة شخصية؟”
آسر ابتلع ريقه، ولأول مرة أشوفه مرتبك كده، وقال بصوت متحفظ:
“يا جدي.. الموضوع مش زي ما وصلكم.. دي مساعدة أمينة، وشغالة معايا من سنين، وبنتها يتميمة، وأنا حبيت أأمن مستقبلهم كنوع من الدعم الإنساني والعملي—”
“الدعم الإنساني؟!”
صوت الحاج محمود قطع كلامه زي الرعد، وخلي الكل يترعش في مكانه.
“من امتى عائلة الشاذلي بتدعم الغربا بقصور فخمة في الشيخ زايد من غير ما ترجع لكبير العائلة ومن غير ما تاخد إذن مراتها اللي قاعدة في البيت بتربي ابنها وولي عهد العيلة؟!”
عم آسر دخل في الكلام وقال بحدة:
“يا آسر أنت فضحتنا في السوق! الخبر انتشر في البورصة والشركات، وكل الناس بتتكلم إنك شار لست تانية قصر بمليونات وسايب بيتك وأم ابنك!”
آسر بص لي بنظرة كلها رجاء مكتوم، كأنه بيقولي ارحميني، لكن أنا كنت باصة للقدام بثبات تام.
في اللحظة دي، شهد مقدرتش تستحمل، وفضلت تعيط وقالت بصوت مكسور وهي بتترعش:
“يا فندم.. والله العظيم أنا ماليش ذنب.. أستاذ آسر هو اللي أصر.. أنا ما طلبتش منه غير شقة صغيرة نقعد فيها أنا وبنتي، وهو اللي جاب العقار وقالي دي هدية عمل—”
“هدية عمل؟!” قاطعتها وبصيت لها لأول مرة بعيون كلها شرار هادئ وقريت حروف كلماتها ببطء:
“تفتكري يا شهد إن قصر في الشيخ زايد باسمك الصريح بيعتبر مجرد ‘هدية عمل’ لمساعدة شخصية؟ ولا أنتي عارفة كويس قوي تمن الهدية دي إيه؟”
شهد اتفزعت من كلامي وبكت أكتر، وآسر صرخ بيا:
“فريدة! كفاية لحد هنا! ما تحاوليش تهينيها بالشكل ده!”
“أنا بهينها ولا أنت اللي أهنتني وأهنت ابنك وأهنت اسم الشاذلي كله قدام مصر كلها؟!”
وقفت فجأة، وصوتي اتردد في أرجاء الصالون كله، ووقفت قدام آسر وجهاً لوجه من غير أي خوف.
“أنت فاكر إنك عشان ملياردير تقدر تشتري كل حاجة بالفلوس؟ تقدر تشتري ببيوت وسيارات سكت الناس؟ بسكوتهم؟ بس مش أنا.. مش أنا يا آسر!”
الحاج محمود ضرب بعصايته الأرض ضربة قوية خلت الصالون يسكت تماماً، وقال بقرار حاسم:
“اسمع يا آسر.. الكارثة اللي عملتها دي مش هتعدي بالساهل. العقار ده.. قصر الشيخ زايد.. هيتباع بكرة الصبح، وفلوسه هترجع لحسابات الشركة، وشهد دي.. هتنتهي علاقتها بالشركة فوراً، ويصرف لها تعويض عادل في بلدها، ومن النهاردة.. ممنوع تقرب من مكتبك تاني.”
شهد صرخت بصوت عالي: “لا! ارجوك يا فندم! أنا—”
لكن حراس الأمن دخلوا فوراً وأشاروا لها بإنها تطلع بره الصالون هي وبنتها.
آسر وقف مصدوم، وبص لجده وقال بصوت مهزوز: “يا جدي! أنت كده بتدمر شغلها ومستقبلها—”
وقاطعه جده بصوت قاطع:
“وأنت دمرت بيتك ومراتك وابنك عشان نزوة غبية! اقعد مكانك واسمع اللي جاي.”
لفيت وشي لجدي ولآسر، وطلعت ورقة من شنطتي، رميتها على الترابيزة قدامهم، وقلت بصوت هادئ ومسموع لكل واحد في الغرفة:
“ودي بقى.. ورقة طلاقي اللي طلبت من محامي العائلة يجهزهارحمةً بكرامتي.. ومش هتنازل عنها إلا بشرط واحد.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى