منوعات

حكايات اسما 2

## الجزء الخامس والأخير: صفاء النفوس وخاتمة الحكاية
الشهور مرت، وحياة كل واحد فينا أخدت مسارها الطبيعي اللي رسمه قدره وأفعاله. المستشفى الخيرية اللي بنيتها على أرض أبويا بقت منار لكل محتاج في البلد والقرى المجاورة. مبقتش مجرد دكتورة ناجحة في العاصمة وبس، بقيت حورية اللي أهالي البلد بيعتبروها بنتهم اللي عمرها ما كبرت عليهم ولا نسيت أصلها، رغم كل المناصب والنجاحات.
يوم الجمعة الصبح، كنت قاعدة في جنينة البيت الكبير بشرب شاي، وهواء الصباح البارد كان منعش وبيجدد النشاط. فجأة، سمعت صوت خطوات بطيئة ورايا.
التفتّ، ولقيت مرات عمي واقفة.. ملامحها تغيرت كتير، وكبرت السنين اللي فاتت دي كلها في أيام معدودة. مكنتش واقفة بنبرة التعالي ولا الغرور اللي متعودة عليها ديمًا، بل كانت كسرة النفس والندم واضحة في عيونها. قربت بخطوات مترددة وقعدت على الكرسي اللي جنبي.
— “صباح الخير يا حورية..” قالتها بصوت هادئ وضعيف لأول مرة أسمعه منها.
بصيت لها بابتسامة هادئة وخالية من أي ضغينة:
— “صباح النور يا مرات عمي.. أومالك واقفة كده؟ تعالي استريحي.”
نزلت دموعها على خدها، وقالت بصوت مكسور:
— “سامحيني يا بنتي.. سامحيني على كل لحظة وجعتك فيها، وكل كلمة مرة قلتها لك.. كنت عمياء، الغرور والفلوس عموا عيني، وكنت فاكرة إن العز بالمنظر والمظاهر.. لحد ما ربنا وراني إن الكبر بيقصف الرقبة، وإن الإنسان ما بياخدش غير عمله الطيب.. أنا خسرت ابني وقعدت لوحدي، ومحدش حس بيا ولا وقف جنبي غيرك.. أنتي أصيلة يا حورية.. أصيلة أكتر مني بكتير.”
مديت إيدي بحنان ومسكت إيدها المرتجفة، وقلت لها بصوت دافئ:
— “المسامح كريم يا مرات عمي، واللي فات مات.. أنا عمري ما شلت منك حقد، وكل اللي كنت باتمناه إن ربنا يهديني ويهديكِ.. إحنا في الآخر أهل، وبيت عمي ده هو اللي ليه فضل عليا بعد ربنا.”
حضنتني وبكت بحرقة، كأنها بتغسل جواها سنين من القسوة والجفاف. في اللحظة دي، حسيت إن وجع الطفولة ومُر السنين انتهى للأبد، وإن القلب الطاهر هو اللي بيعرف يكسب في الآخر.
بعد الشده دي بشهرين، وصلتنا أخبار من بره.. عاصم بعت جواب لعمي.
فتحنا الجواب سوا أنا وعمي. عاصم مكنش بيكتب عتاب ولا لوم لنفسه، كان بيكتب اعتراف صريح بالذنب. قال إنه لقى نفسه في المستشفى الصغيرة برة، وإنه بقى يشتغل بإيده وبكل تواضع، وإنه أخيرًا فهم معنى كلام أبوه ومعنى النجاح الحقيقي. وفي آخر الجواب، كتب سطر واحد:
*“سلمي لي على حورية.. وقولي لها إن الجاهل الحقيقي كان أنا.. وإنها الدكتورة اللي بجد، مش بس في الطب.. دكتورة في الأخلاق والتربية.”*
عمي ابتسم بدموع، وطبق الجواب وحطه في جيبه، وبص لي وقال:
— “الحمد لله.. ابني رجع لي، وبنت أخويا رفعت راسي لسابع سما.”
قمت وقفت، ورفعت عيني للسما وأنا حامدة ربنا على كل خطوة مشيتها، وكل دمعة نزلت، وكل صعز خاضته.
أنا حورية.. اللي بدأت حكايتي يتيمة بين زوايا البيت القديم، مفكرة إن أقصى طموحي هو اللي تعلمته في البيئة البسيطة.. وطلعت في الآخر قادرة أبني مستقبلي، وأداوي قلوب الناس، وأثبت إن الإنسان بأصله وأخلاقه، مش بالغرور والمنظر الكداب.
**تمت بحمد الله.. أتمنى تكون القصة نالت إعجابكم وأثرت فيكم!**

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى