منوعات

حكايات رشا 2

خرجت من القسم، وأول ما هبطت للشارع، هواء الليل البارد ضرب وجهي. خدت نفس عميق حسيت فيه إن طاقة السنين اللي ضاعت في التحوش والجهد رجعتلي مضاعفة.
الجوازة اللي كانت على وشك التم وتتحول لكابوس… خلصت في ثانية.
لكن حقي، ومجهودي، وتعب سنيني… هيرجعوا كاملين، من غير ما ينقصوا مليم واحد.
الجزء الرابع: قاعة المحكمة والحساب الأخير
مرت الشهور وكأنها سنين، لكنها كانت سنين من العمل والترتيب الدقيق للقانون. جلسات المحكمة تلو الأخرى كانت تثبت بالدليل القاطع حجم الجريمة المتعمدة. سارة ومحاميها حاولوا بكل الطرق الالتفاف على القانون، وادعوا تارة أنها كانت “مزحة عائلية خرجت عن السيطرة”، وتارة أخرى أن التلفيات مبالغ فيها. لكن فواتيري، وعقود التشطيب، وتقارير الخبراء الهندسيين المعتمدين من المحكمة كانت تقطع هروبهم من العدالة.
في صباح يوم النطق بالحكم، دخلت قاعة المحكمة بخطوات ثابتة وهادئة. كنت مرتدية بدلة رسمية سوداء، وشعري مربوط بعناية، وفي إيدي نفس اللابتوب والملف الأزرق اللي فيه كل التفاصيل.
على الجانب الآخر من القاعة، كانت سارة قاعدة على كرسي المتهمين، وجهها شاحب وخالي من أي غرور قديم، وعيونها حمرا من كثرة العياط والسهر. جنبها كان أحمد قاعد، محطم تمامًا، دبلة الخطوبة كانت لسه في إيده لكن شكله كان يوحي بأنه غريب عن الدنيا كلها. أمه لم تُحضر الجلسة بعد أن ساءت حالتها الصحية منذ يوم القبض على ابنتها.
وقف القاضي بوقاره وهيبته، وعلت أصوات الحضور بالصمت التام داخل القاعة. بدأ القاضي في تلاوة حيثيات الحكم بصوت رنان ومسموع للجميع:
«باسم الشعب.. محكمة الجنايات والجنح المستأنفة، وبعد الاطلاع على الأوراق، وتقارير الخبراء، وتسجيلات الكاميرات الرسمية التي تثبت اقتحام المسكن وإتلاف ملكية خاصة عمدًا دون سند قانوني…»
قلبي دق بنبضات هادئة ومتزنة. كنت باصة للقاضي مباشرة، منتظرة اللحظة اللي هينتهي فيها كابوس السنين دي.
«حكمت المحكمة حضورياً بمعاقبة المتهمة/ سارة (…) بالحبس لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، وإلزامها بالتضامن مع باقي المتهمين برد قيمة التلفيات الكاملة للمجني عليها مريم (…) بمبلغ قدره أربعة مليون وخمسمائة وثلاثون ألف جنيه، مع تحمل كافة مصاريف التقاضي وأتعاب المحاماة.»
**أربعة مليون وخمسمائة وثلاثون ألف جنيه.**
الرقم تردد في أرجاء القاعة وكأنه صدى لمعركة طويلة خضتها لوحدي وانتصرت فيها.
سارة انهارت تمامًا في مكانها، وصرخت بصوت متقطع وهي باصة لي نظرة كلها رجاء مركس بالندم: «مريم! عشاني.. بالله عليكِ اتنازلي.. أنا هضيع في السجن!»
أما أحمد، فقام من مكانه وجري ناحيتي، ووقع على ركبه قدامي في وسط القاعة، ودموعه نازلة بغزارة، وقال بصوت منكسر:
«مريم.. أرجوكِ.. إحنا كنا هبقى عيلة واحدة! سامحيها عشان خاطري، وأنا مستعد أكتب لك كل ما أملك بس ابعدي السجن عن أختي!»
نزلت بعيني ليه، وبكل برود وهدوء، فتحت سحاب شنطتي، وطلعت اللابتوب، وبصيت له نظرة أخيرة خالية تمامًا من أي مشاعر عتاب أو حب، وقلت له بصوت هادئ جداً لكنه مسموع للكل:
«يا أحمد.. أختك لما دخلت بيتي تكسّره، ما فكرتش في عيلة ولا في حب ولا في سنين الشغل اللي ورا الشقة دي. ولما وقفت في نص الصالة، ما وعدتش نفسي غير بحاجة واحدة بس.»
قفلت الشنطة بهدوء، وكملت:
«اللي بوّظ… دفع. والقانون أخد مجراه بالمليم الواحد.»
درت ظهري ومشيت بخطوات واسعة وواثقة خارج قاعة المحكمة، وهواء الحرية والعدالة كان بيضرب وشي. الشقة اللي اتهدت هتبنيها تعويضاتهم أحسن مائة مرة، وحياتي اللي كنت مفكراها اتقطعت، كانت لسه بتبدأ من جديد.. من غير إضافات سامة، وبقوة أثبتت للكل إن تعب السنين مش متاح للعبث.
الجزء الخامس: الحياة من جديد (النهاية)
بعد صدور الحكم النهائي بأسبوع واحد، بدأت إجراءات التنفيذ الجبري على أملاك عيلة أحمد وتأمين حقوقي كاملة. المبالغ اللي حكمت بيها المحكمة اتحولت بالكامل لحسابي البنكي، ومعاها تعويض إضافي عن الأضرار النفسية ومصاريف التقاضي.
أحمد حاول يبعتلي رسائل كتير، بيعتذر فيها مرة، وبيترجاني مرة تاني، وفي كل مرة كنت بعمل بلوك بهدوء من غير ما أقرأ حتى اللي كاتبه. بالنسبة لي، الفصل ده اتقفل للأبد، وكل سطر فيه انكتب بحبر الثقة والعدالة.
في صباح يوم ربيعي مشمس، كنت واقفة جوه الشقة رقم 2003 في العمارة رقم 9 بكمباوند وادي النخيل.
الشقة ما بقتش زي الأول… بقت أحسن بكتير!
الباب المصفح الجديد كان أحدث موديل نزل السوق، لونه رمادي معدني فخم وعليه نظام أمان بصمة وإلكتروني. التشطيبات الداخلية اتعملت من أول وجديد بأعلى جودة، وبدأت أختار أثاث جديد كلياً، أبسط، وأشيك، ويعبر عن شخصيتي أنا لوحدي من غير أي مشاركة وهمية أو وعود كذابة.
قعدت على الكنبة الجديدة اللي في نص الصالة، وحطيت قدامي كوبي من القهوة المظبوطة، وجنبها اللابتوب مفتوح على مشروع تصميم جديد لشركة كبرى في مدينة جيان.
الموبايل رن، بس المرة دي المكالمة كانت من رئيس مجلس الإدارة في الشركة، بيبلغني بترقيتي الرسمية لمنصب «مدير تنفيذي لقسم المشروعات»، وبيبارك لي على النجاح الكبير في المشروع الأخير.
ابتسمت بحب وأنا باصة لبرة البلكونة اللي اتصلحت وبقى الزجاج بتاعها بيعكس نور الشمس الساطع.
تعبت ست سنين عشان أشتري الشقة دي، ودخلت معركة قانونية صعبة عشان أحمي حقي.. لكن في النهاية، اتعلمت درس عميق مفيش أي كتاب يقدر يعلمهوني:
الإنسان هو سند نفسه الوحيد.
واللي يجرؤ يكسر تعبك وعرقك.. القانون هيجبره يدفع التمن.. للقرش الأخير.
**تمت بحمد الله**

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى