
\- تقى ما خانتكش يا سيف، تقى كانت مطلقتك، ومن حقها تعيش. إنت اللي كنت فاكر إنك تقدر تسيبها وقت ما تحب وترجع لها وقت ما تحب، ولما اكتشفت إن الدنيا ما بتمشيش على مزاجك، زعلت. كان بيضايق من كلامها، ويغير الموضوع، لكنه في قرارة نفسه كان عارف إنها عندها حق.
أما يونس، فكان ملتزم بكلام تقى. لما سيف يحب يشوف أولاده، يتصل بيونس، ويتفق معاه على المعاد، ويونس كان بيستقبله باحترام، من غير ما يستفزه أو يحاول يثبت له إنه بقى مكانه في حياة تقى.
وفي مرة، وهما قاعدين لوحدهم بعد ما سيف قضى وقت مع ولاده، قال له سيف بضيق:
\- إنت مش حاسس إن الوضع ده غريب؟ إني أكلمك عشان أشوف ولادي، وإنت اللي بقيت جوز أمهم!رد يونس بهدوء:
\- الغريب مش إنك تكلمني عشان تشوف ولادك يا سيف، الغريب إنك لسه مش قادر تفهم إن تقى بقت ليها حياة خاصة بيها. أنا عمري ما همنعك عن عيالك، ومش هحاول أخليهم يكرهوا أبوهم، لكن في المقابل، مش هسمح لك تضايق مراتي أو تتدخل في حياتنا. سيف بص له بغضب:
\- مراتي! إنت بتقول عليها مراتك قدامي بكل سهولة؟يونس رد بثبات:
\- أيوه، مراتي، والست اللي أنا اخترتها وعايز أكمل معاها عمري. وصدقني يا سيف، أنا ما اتجوزتهاش عشان أكسرك، ولا عشان آخد منك حاجة. أنا اتجوزتها لأني بحبها، وهي وافقت عليا بعد ما اتأكدت إني هحترمها وأصونها.
ولو كنت بتحبها فعلًا زي ما بتقول، كنت هتتمنى لها الراحة حتى لو الراحة دي مش معاك. ما ردش سيف، ومشي وهو حاسس إن كلام أخوه بيوجعه لأنه حقيقي. أما تقى، فكانت حياتها مع يونس بتاخد شكلًا جديدًا، هاديًا ومستقرًا.
ما كانش بيطلب منها تثبت له حبها كل يوم، ولا كان بيعايرها بماضيها، ولا بيحسسها إنها دخلت حياته ومعاها حمل تقيل. كان بيتعامل مع ولادها بحب، ويحرص إنهم يفضلوا قريبين من أبوهم، وفي نفس الوقت يبني معاها بيتًا تشعر فيه بالأمان.
ومع مرور الوقت، بدأت تقى تضحك من قلبها تاني، وبدأت تستمتع بحياتها من غير ما تفضل تقارنها بالماضي. ما نسيتش اللي حصل لها، لكنها بطلت تسمح له يتحكم في حاضرها. وفي يوم، كانت قاعدة مع حماتها، اللي بصت لها بابتسامة وقالت:
\- ربنا يعوض قلبك يا بنتي، أنا عارفة إنك اتوجعتي كتير، بس فرحانة إني شايفاكي مرتاحة. مسكت تقى إيدها وقالت:
\- إنتِ عمرك ما قصرتي معايا يا ماما، ووجودك في حياتي نعمة. أنا مش عايزة أفضل عايشة طول عمري زعلانة من اللي فات، أنا عايزة أعيش وأربي ولادي وأكون زوجة كويسة ليونس، وأسيب كل حاجة لربنا.
ابتسمت حماتها، وضمتها لحضنها، وهي حاسة إن البنت اللي كانت بتخاف عليها من الانكسار قدرت تقف تاني على رجليها، وتختار حياة تستحقها. ومرت الشهور، واستمرت مشاكل سيف ومنه. خلافات على المصاريف، ومشاكل بسبب تدخلات أهلها، وشد وجذب على أبسط تفاصيل البيت.
كل مرة كان سيف يحاول يصلح حاجة، يلاقي مشكلة جديدة، وكل مرة كان يفتكر إن تقى كانت بتعرف تحتوي المواقف بدل ما تكبرها. لكن رغم كل ده، ما قدرش ينهي جوازه من منه، ولا قدر يرجع بالزمن ويصلح اللي كسره بإيده.
كان اختارها، وأصر على اختياره قدام الجميع، ورفض يسمع نصيحة أخوه، وتجاهل تحذير أمه، وكان لازم يتحمل نتيجة قراره. ومنه، من ناحيتها، ما كانتش فاهمة سبب تغيره، وكل ما تلاقيه ساكت أو شارد، تتهمه إنه مش مقدرها، وإنه لسه بيفكر في طليقته.
وفي إحدى الليالي، اتخانقوا بسبب زيارة أمه، وعلت أصواتهم، فقالت منه بعصبية:
\- إنت من ساعة ما اتجوزتني وإنت بتقارنني بتقى! لو هي عاجباك أوي كده، كنت فضلت معاها بدل ما تتجوزني!بصلها سيف، وكان عنده ألف رد، لكنه ما قالش غير:
\- أنا مش بقارنك بحد.
صرخت فيه:
\- أمال سرحان فيها ليه؟ كل ما يحصل بينا مشكلة تفضل ساكت وكأنك بتفكر في حاجة تانية!ما ردش، لأنه لو اتكلم هيضطر يعترف لنفسه قبل ما يعترف لها إنه فعلًا بيفكر في تقى، وإنه كل ما خسر جزءًا من راحته في حياته الجديدة، افتكر الراحة اللي كان عايش فيها زمان وما عرفش قيمتها.
وفي الليلة دي، بعد ما منه دخلت الأوضة وقفلت الباب، قعد سيف لوحده في الصالة، وافتكر آخر مكالمة بينه وبين تقى، وصوتها وهي بتقوله إن ندمه مش مسؤوليتها. لأول مرة، فهم إن المشكلة ما كانتش إنه خسر تقى ليونس، ولا إن أخوه اتجوزها قبله ما يقدر يرجع لها؛
المشكلة الحقيقية إنه خسر امرأة كانت بتحبه بصدق، لأنه تعامل مع حبها كأنه ضمان أبدي، وافتكر إن تضحية قلبها معناها إنها هتفضل مستعدة للتضحية إلى ما لا نهاية. ندم، لكن ندمه جه بعد ما تقى اختارت نفسها، وبعد ما لقت مع يونس الحياة اللي كانت تستحقها.
أما هي، فما رجعتش تبص وراها. كملت حياتها مع جوزها، واهتمت بولادها، وحافظت على علاقتها الطيبة بأهل طليقها، لكنها ما سمحتش لسيف يرجع يحتل مساحة من قلبها أو يفتح بابًا قفلته بإرادتها. وسيف كمل حياته مع منه، يومًا بعد يوم، بين خلاف جديد ومحاولة صلح مؤقتة، وكل ما كانت المشاكل تزيد، كان يفتكر تقى أكتر، لكنه ما كانش يقدر يعمل حاجة غير إنه يتحمل نتيجة اختياره.
وهكذا انتهت حكاية تقى وسيف؛ تقى ما انتقمتش منه، ولا حاولت تكسره، هي بس بطلت تستنى منه حاجة. أما هو، ففضل يعيش مع الندم، بعد ما عرف متأخر إن مش كل قلب بيحبك هيفضل مستنيك، وإن في خسارات بتحصل مرة واحدة، لكن وجعها ممكن يفضل العمر كله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


