
وقعت عيوني في عيون وسام، وعينيا كانت بتطلع شرار من الكره والغضب والذهول. وقفت مكاني ببطء، كله بيترعش من شدة الصدمة والانفعال، وصوتي طلع حاد ومرتفع:
— جيت هنا إزاي؟ وسألتني فتحت الباب ده إزاي؟! السؤال الصح يا وسام… إنت إزاي قدرت تكذب عليا عشرين سنة كاملة؟ إزاي قدرت تمثل دور الزوج المكسور اللي مراته مش بتخلف، وإحنا بنلف على الدكاترة ونجري على المستشفيات، وكل ده وإنت عارف كويس أوي إنك أنت اللي سارق بنتي من أمها الحقيقية؟!
وسام بلع ريقه، وبصلي بنظرة كلها رجاء وتوسل، وخطا خطوة ناحيتي وقال بصوت مكسور:
— ارجعي معايا البيت يا هدى… أرجوكِ اسمعيني، الكلام مش هينفع يتشرح هنا قدامها، أنا عملت كل ده عشان أستر عليكي وأحمي بيتنا وعيلتنا!
في اللحظة دي، وقفت الأم الحقيقية من مكانها، وعيونها كانت شرارة نار، فيه بصوت مليان غل وقهر السنين:
— استر على مين يا ظالم؟! استر على عِرض مين؟! دي بنتي! بنتي اللي منها عشرين سنة وخدتها من حضني بالغصب والتدليس! عشرين سنة وأنا بموت كل يوم ألف موتة وأنا مش عارفة بنتي حية ولا ميتة، وإنت جاي بكل كبرياء تقول مستر عليها؟! هات بنتي! رجّع لي بنتي اللي سرقتها مني!
وسام التفت لها، ووشه اتخطف، وعروق رقبته بارت من شدة العصبية، وزعق بصوت حوائط الشقة القديمة:
— أخرسي خالص! إنتِ مش فاهمة حاجة! لو كنت سبتها معاكي في الوقت ده، جوزك المجرم كان وهي لسه رضيعة ما تفهمش حاجة في الدنيا! أنا ضحيت بعمري وبحياتي وبمستقبلي عشان أربيها في بيتي كأنها بنتي الحقيقية! وفرت لها كل حاجة، وربيتها أحسن تربية، وحافظت عليها أكتر من روحي! إنتِ مكيش أي حق تقولي كلمة واحدة بعد اللي عملتيه زمان!
كنت واقفة في النص، حاسة إن عقلي هيطير. كل كلمة كانت بتترمي قدامي بتفتح أعمق وأقذر من اللي قبله. بصيت لوسام وبصوت مليان قهر ودموعي نازلة بغزارة على خدودي قلت له:
— وبنتي؟! بنتي اللي ربيتها على إنها قطعة مني ومنك، وإننا أخيرًا ربنا اكرمنا بيها بعد سنين… طلعت في الآخر إيه؟ طلعت ضحية لجريمة خطف وسرقة ونصب منك أنت والست دي؟! وإيه قصة التبني اللي ضحكت عليا بيها؟ ليه فهمتني إننا قدمنا في دار أيتام وربنا رزقنا بيها بالطريقة القانونية؟! ليه كدبت في كل حرف وكل تفصيلة؟!
وسام قرب مني أكتر، ومد إيده عشان يمسك دراعي وقال بنبرة مليانة توسل ودموع حقيقية لمعت في عيونه:
— عشان بحبك يا هدى… والله العظيم بحبك! لما لقيت نفسي مش قادر أتخيل حياتي من غير حتة مني ومنها، ولما لقيت البنت ضائعة ومفيش قدامها غير الموت أو التشرد، أخدتها وربيتها وعالجت موضوع التبني بطريقتي عشان أحميها وأحميكي. كنت خايف أقولك الحقيقة في الأول، وخفت تفضل تبتعدي عني لو عرفتي إنها مش بنتنا ولا حتى بنت عادية… ومع الأيام، الكبر السنين والسنين مرت، وبقت الكذبة أكبر مني ومنك، ومبقتش عارف أقولها إزاي! كل ما أجي أنطق وأقولك الحقيقة، ألاقي عينيكي بتبصلي بحب وأمان، فأخاف أخسرك وأخسر بنتنا! ارجعي معايا البيت يا هدى، وتعالي نقعد مع بنتنا ونتفاهم بعيد عن هنا، أرجوكِ عشاني وعشان عشرة عمرنا!
نترت دراعي من إيده بقوة وعنف، وبصيت له نظرة عمره ما هيساها، وقلت بصوت بيقطع من كتر القهر:
— عشرة عمرنا؟! أي عشرة دي اللي مبنية على كدبة وسرقة وخداع؟! إنت مش إنسان يا وسام! إنت خنت الثقة، وخنت الحب، وخنت الأبوة اللي ادعيتها سنين! وبنتي… البنت اللي ربيتها بقلبي وروحي، هقولها إيه؟ هقولها إن أبوها اللي بتحبه وبتعتز بيه هو اللي خطفها من أمها الحقيقية؟ وإني أنا كمان كنت مغفلة وعايشة في الوهم؟! مستحيل… مستحيل أرجع معاك للبيت ده تاني!
الأم الحقيقية بصت لينا وقالت بصوت مكسور ودموعها بتجري على وشها:
— إنتِ مراته… وأنا أمها… بس البنت ضحية بينا كلنا. أرجوكِ يا هدى، اوعي تظلميها، البنت ملهاش ذنب في أي حاجة من دي، هي بتحبكم، وبتعتبركم أهلها. بس في نفس الوقت… أنا عايزة أخد بنتي في حضني، عايزة أعوض السنين اللي راحت دي كلها!
وسام زعق :
— مستحيل! البنت مش هتعرف حاجة، ومش هتسيب بيتي ولا هتيجي معاكي في حتة! البنت دي تربيتي أنا!
في اللحظة دي، وقبل ما أي حد فينا ينطق بحرف تاني، سمعنا صوت تكة مفتاح في باب الشقة التاني الداخلي، وصوت نعمة أو صوت خطوات خفيفة بتقول بصوت عذب من بره:



