منوعات

حكايات اسما 2

— ماما؟ بابا؟ أنتوا فين؟ أنا خلصت المحاضرة وجيت أدور عليكم هنا، لأن خالتو قالت لي إنكم خرجتوا مع بعض!
الدم جمد في عروقنا كلنا. بصيت للباب المرعب اللي بيفتح، وبصيت لوسام اللي وشه اصفر تمامًا وبقى أبيض زي الكفن، وبصيت للأم الحقيقية اللي حطت إيديها على بقها عشان تداري صرخة خوف ولهفة كانت هطلع منها.
الباب اتفتح على وسعه، وظهرت بنتنا واقفة قدامنا بعيونها الغامقة الجميلة، وملامحها الرقيقة، والوردة الصغيرة اللي مرسومة وراء ودنها… بتبص لنا باستغراب شديد وعيونها بتتنقل بيني وبين وسام وبين الست الغريبة، وقالت بصوت بريء:
— إيه ده؟ هو في إيه هنا؟ أنتوا بتعيطوا ليه؟!

الصمت طبق على المكان كله لثوانٍ معدودة، كأن الزمن وقف تمامًا ومبقاش فيه صوت غير صوت أنفاسنا الثقيلة ودقات قلوبنا اللي كانت بتخبط في صدورنا بجنون.
بنتي – اللي طول عمرها كانت نور عيني وقطعة من روحي – فضلت واقفة مكانها على عتبة باب الصالة، عيونها بتتلفت بيننا باستغراب شديد. شافت وشي المليان دموع، وشافت وسام اللي كان بيبص لها وكأن روحه بتتسحب من جسمه، وبصت للست اللي واقفة تترعش ودموعها نزل بغزارة على خدودها.
بصوت مرتجف وخايف، خطت خطوتين جوه الصالة وقالت:
— ماما.. بابا.. فيه إيه؟ مالكم؟ إنتوا ليه هنا؟ ومين الست دي وليه بتعيط؟!
قلبي اتقطع من جوه، حسيت بوجع فظيع بيعصر صدري. جريت عليها، ومسكت كفوف إيديها الباردة بين إيديّ، وبصيت في عيونها الغامقة اللي ورثت ملامحها الحقيقية من الست الواقفة قدامنا. حاولت أبتسم غصب عني عشان أطمنها، بس صوتي طلع مكسور ومليان شهقات:
— حبيبتي.. يا نور عيني.. تعالي جنبي هنا. متخافيش يا حبيبتي، إحنا.. إحنا هنا عشان..
قبل ما أكمل جملتي، وسام اتقدم بسرعة خطوتين وقطع الكلام، وصوتي اتقطع وهو بيقول بصوت مهتز:
— تعالي يا بنتي.. تعالي معايا إحنا لازم نمشي حالًا من هنا. المكان ده مش مكانك، ويلا بينا نروح البيت فورًا!
الأم الحقيقية ما استملتش ولا قدرت تسكت أكتر من كده. جريت ناحيتها، وقعت على ركبتها قدام بنتي، ومدت إيديها المرتعشة عشان تلمس وشها، وقالت بصوت كله حنان وقهر ودموع متدفقة:
— استني يا وسام.. حرام عليك ارحمنا بقى! سيبها تسمع.. سيبها تعرف الحقيقة! يا بنتي.. يا ضنايا.. يا قطعة من قلبي اللي منها من عشرين سنة.. أنا أمك! أنا أمك الحقيقية يا بنتي!
بنتي  مكانها تمامًا. وسحبت إيديها من بين إيديّ ببطء مرعب، وبصت للست دي وهي مش مصدقة اللي ودنها سامعاه. بعدين بصت لينا أنا ووسام وقالت بصوت بيترعش من شدة الصدمة والرعب:
— أمي؟! أمي مين؟! إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ مجنونة ولا إيه؟! ماما وبابا هما دول.. هما اللي ربوني وعاشوا معايا كل سنين عمري! إزاي بتقولي كده؟!
التفتت لباباها وهي بتعيطانههارة، وقالت بصوت كله رجاء وتوسل:
— يا بابا قولها حاجة! قولها إن الست دي كدابة وإنها مجنونة! قولها إني بنتك إنت وماما وبس!
وسام بص للبنت بعيون مكسورة، ونزل على ركبه قدامها، ودموعه نزلت بصمت لأول مرة أشوفه بيعيط فيها بالمنظر ده. مسك إيديها وقال بصوت مخنوق ومرتعش:
— أنا آسف.. أنا آسف يا بنتي.. بس اسمعيني.. أنا ربيتك من يوم ما كنتِ لسه رضيعة في كف إيدي، حبيتك أكتر من نفسي، وعمري ما فرقت بينك وبين روحي حتى لو كنت.. حتى لو كنتِ مش من صلبي بالمعنى الحرفي، بس بالنسبة لي إنتِ بنتي أنا وبس!
كلمات وسام نزلت زي الصاعقة على دماغ البنت. رجعت لورا خطوتين، وخبطت في الحيطة، وحطت إيديها الاتنين على ودنها وبدات تصرخ بجنون:
— لأ! كدب! كدب! أنتوا كلكم بتكدبوا عليا! إيه اللي بيحصل هنا؟! ليه بتقولوا الكلام ده؟! أنا مش عايزة أسمع حاجة! سيبوني! سيبوني أخرج من هنا!
وجريت الباب بعنف، وفتحت باب الشقة ونزلت على السلم بتجري بسرعة مجنونة وهي بتعيط بصوت جرح قلوبنا كلنا.
صرخت بصوت عالي:
— بنتي! استني يا بنتي!
جريت وراها أنا ووسام والأم الحقيقية، بس البنت كانت سبقتنا ونزلت الشارع وهي منهارة تمامًا. طلعنا وراها الشارع بسرعة، ولقيناها وقفت في نص الشارع بتعيط بجنون، عيونها تايهة ومش عارفة تروح فين ولا تعمل إيه. العربية كانت جاية بسرعة فائقة في الزقاق الهادي ده.. السائق لمّحها متأخر قوي!
صرخت بكل صوتي بأعلى صرخة في حياتي:
— احترسيييييييييي!
وسام جري بسرعة البرق، وبذل أقصى ما عنده عشان ينقذها، وزقها بكل قوته بعيد عن طريق العربية.. العربية خبطت وسام بقوة ورمته على الأرض وسط بركة من الدم، بينما بنتي وقعت على جنبها سليمة تمامًا بس كانت فاقدة النطق من شدة الهول والصدمة!
جرينا كلنا عليه زي المجانين. وقعت جنبه على الأرض، وحضنت راسه اللي كان بينزف بغزارة، وصوتي كان بيتردد في الشارع كله بصراخ هستيري:
— وسام! وسام! أرجوك اصحى! متسيبنيش يا وسام!
وسام فتح عيونه ببطء شديد، وبص لبنتي اللي كانت واقفة بتعيط ومنهارة وراها الأم الحقيقية، وبص لي بنظرة أخيرة كلها حب واعتذار، وهمس بصوت يا دوب مسموع:
— سامحوني.. أنا عملت ده كله.. عشان بحبكم كلكم.. وغمض عيونه للأبد..
بنتي وقعت على ركبتها جنب أبوسها، وحضنت جثته وبدات تصرخ بصوت مقطع ومليان قهر ووجع عمره ما هيتنسي:
— باااااااااااابااااااااااااااا!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى