عام

حكايات اسما 2

وقفت حماتي مكانها مش قادرة تتنفس، وعيونها بتتوسع من الذهول والارتباك. الصمت خيّم على الصالة لثواني كانت أطول من الساعات، كأن الهوا اتشفط من المكان مرة واحدة. الشناط والكراتين المتحدفة على الأرض بقت شكلها مالوش أي قيمة، والدموع الوهمية اللي كانت مالية عيونها جفت تماماً واستبدلت بنظرات خوف حقيقي!
حازم ما تحركش من مكانه، قعد يسند ظهره على الكرسي، ورفع حجبيه وهو بيبص لها بثبات الأنفاس، وقال نبرة هادية لكن كل كلمة فيها كانت طالعة زي :
— إيه يا ماما؟ سكتي ليه فجأة؟ ما كملتيش كلامك عن عمي أحمد ليه؟! ولا تحبي أنا اللي أكلمه وأقوله حقيقة “العطل” اللي حصل في المفاجأة؟
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تسترجع نبرة القوة والسيطرة، وحطت إيدها في وسطها وهي بتترعش من الغيظ:
— أنت بتقول إيه يا حازم؟! قصدك إيه يعني؟! هو أنا هتكذب عليك؟! السباكة في والمية أغرقت المطبخ، والتصليح محتاج وقت! أنت بقيت بتشك في أُمك كمان؟! دي آخرة تربيتي ليك؟!
حازم طلعت منه ضحكة خفيفة مليانة مرارة، وقام وقف وخرج تليفونه من جيبه. فتح شاشة التليفون وبدأ يقلب في رسائل الواتساب وهو بيمشي في الصالة بهدوء

— السباكة؟ غريبة! أصل أنا امبارح بالليل، وأنتِ نايمة—قبل ما أفك باب يعني—اتصلت بالعم سعيد الحارس بتاع عمارتك عشان أسأله هل الصنايعية جُم وعملوا حاجة ولا محتاجين فلوس مني عشان أبعتهالهم… عارفة العم سعيد قال إيه؟
حماتي وشها بقى شاحب تماماً، لسانها اتعقد وما قدرتش تنطق بكلمة واحدة.
حازم كمل كلامه وبص لها مباشرة:
— العم سعيد قال إن شقتك مفهاش نقطة مية واحدة نازلة، وإن المحبس المقفول أنتِ اللي قفلتيه بإيدك قبل ما تخرجي وتجيلي! وقال كمان إنك اتفقتي مع صنايعي ألوميتال يأجل شغل السيراميك اللي أنتِ أصلاً كنتِ عايزة تغيريه لدواعي تجديد مش أكتر، وطلبتي منه يبدأ بعد عشر أيام بالظبط! عشر أيام… نفس المدة اللي قلتي إنك هتقعديها عندنا!
كنت واقفة في زاوية الممر، إيدي على بوقي من الصدمة! يعني كل التمثيلية دي، وكل حكاية “العطل والظرف ” كانت مترتبة ومعمول حسابها بالورقة والقلم؟ كانت جاية بهدف محدد: تدس أنفها في حياتنا، وتفرض ، وتكسر أي حدود أو خصوصية بيني وبين جوزي في بيتنا!

حماتي بصت حواليها كأنها بتدور على مخرج، وتلعثمت وهي بتمسك ذراع الكنبة:
— أنا… أنا كنت عايزة أغير سيراميك المطبخ عادي! وما حبّتش أوجع دماغك بالتفاصيل! وبعدين إيه المشكلة لما أجي أقعد عند ابني عشر أيام؟ هو أنا غريبة؟! ولا لازم أعمل عشان أستاهل أدخل بيت ابني؟!
حازم قرب منها بخطوات بطيئة، وحط التليفون في جيبه، وقعد يوزن كل كلمة طالعة منه:
— المشكلة مش إنك تجي تقعدي في بيت ابنك يا ماما. أنتِ على راسي، والبيت بيتك في أي وقت بال أصول والاحترام. لكن المشكلة إنك دخلتي بيتي بالخديعة! عملتي تمثيلية عشان تفترضي إنك ليكِ الحق تلغي وجود مراتي، وتقتحمي أوضة نومنا، وتفكّي الباب من مفصلاته بحجة إن “مفيش أسرار”! أنتِ ما جيتيش تزورينا… أنتِ جيتي عشان تهدي نظام حياتنا وتثبتي إنك أنتِ الكل في الكل!

في اللحظة دي، سمعنا صوت الجرس بيرن بقوة. دقات متتالية ورا بعضها بقلة صبر.
حماتي اترعبت، وبصت للباب وبعدين بصت لحازم. كان واضح إنها عرفت إن عمي أحمد وصل!
عمي أحمد هو الأخ الأكبر لوالد حازم المتوفي، راجل صعيدي شديد، كلمة الحق عنده سيف، وما بيحبش اللف والدوران ولا المشاكل الفاضية.
حازم اتجه ناحية الباب بخطوات ثابته وفتحه.
دعمي أحمد دخل الصالة، طول بعرض، بجلابيته الصعيدية وهيبته المعتادة. عيونه اتلفتت في المكان بسرعة… شاف الشناط المترمية في نص الصالة، وشاف الكراتين، وشاف حماتي واقفة ورا الكنبة وشها جايب ألوان، وشاف باب أوضة الضيوف المسنود على الحيطة في الممر اللي ورا!
عمي أحمد وقف في نص ، وبص لحازم بنظرة حادة، وقال بصوته الجهوري:
— إيه المهزلة اللي بتحصل هنا دي يا حازم؟! أُمك متصلة بيا بتبكي وتقول إنك في الشارع وشاريك من غير باب؟! إيه الجنان ده؟! أنت نسيت أنت بتكلم مين ولا إيه يا ولد؟!

حماتي أول ما سمعت كلام أخو جوزها المرحوم، لقيتها جريت ناحيته وبدأت تعيط بتمثيل متقن:
— شفت يا حاج أحمد؟! شفت اللي جرى لي في بيت ابني؟! فك باب الأوضة عليا بالليل وأنا نايمة! كشفني قدام الغريب واللي يسوى واللي ما يسواش! عشان خاطر مراته اللي معبّية راسه!
عمي أحمد بص لحازم بغضب ورفع صوباعه:
— الكلام ده صحيح يا حازم؟! أنت فكيت باب أوضة أُمك وهينتها في السن ده؟!
حازم ما اتهزش، ولا خاف، ولا رفع صوته. مشي بكل ثبات ناحية الممر فوق، وجاب البابين—أو بمعنى أصح، أخد عمي أحمد من إيده ومشي بيه خطوات للممر وورّاه المشهد الكامل!
أشار حازم بيده على أوضة نومنا المقفولة بملاية مفروشة مكان الباب، والباب المتسند على حيطة أوضتنا، والمسامير المترتبة. وبعدين أشار على أوضة الضيوف اللي بابها متسند بنفس الطريقة.
عمي أحمد سكت فجأة. حواجبة اتعقدت، وعيونه بدأت تتنقل بين البابين.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى