
بعد تلات أسابيع بالضبط من يوم الفضيحة اللي هزت شركة التكنولوجيا وخلت اسم دانيال وصوفي على كل لسان، كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الدور العلوي. مكتبي الجديد كـ “رئيسة قسم هندسة الذكاء الاصطناعي”، وهو المنصب اللي كنت بستهلك طاقتي كله عشانه، بس دانيال كان دايماً بيأجل ترقيتي عشان أفضى أرعاه وأراعي أمه وأطبخ اللي يعجبهم!
الباب خبط ودخلت سارة، مساعدة المدير التنفيذي، ومعاها ملفات المشروع الجديد:
— إيميلي، المدير التنفيذي بيطلب حضورك في قاعة الاجتماعات حالياً. فيه وفد استثماري كبير جاي من دبي وعايز يعرض شراكة كاملة على القسم بتاعك.
ابتسمت بهدوء، وقفت وعدلت بدلتي الرسمية السوداء — نفس البدلة اللي بفرض بيها شخصيتي وقوتي — وقلت:
— تمام يا سارة، ثواني وأكون هناك.
وأنا ماشية في ممرات الشركة، افتكرت اللي حصل الفتره اللي فاتت. دانيال وصوفي اترفدوا نهائياً، وطبعاً صوفي لفت على كل زمايلها تحاول تبرر موقفها بس مفيش حد رضى يبصلها حتى. أما دانيال، ففضل يبعت لي رسايل توسل وتهديد لحد ما أوراق الطلاق الغيابي وصلت له عن طريق المحامي بتاعي. وحماتي اللي كانت واقفة قدام بيت أهلي بتزعق، اضطرت تسحب نفسها وتغور لما عرفت إن القانون والجاسوسية المالية اللي كنت عاملها لفلوسي بتدعم موقفي مية في المية، وإنها مش هتاخد مليم واحد من تعبي.
دخلت قاعة الاجتماعات، والكل وقف باحترام. المدير التنفيذي رحب بيا وقدم لي الوفد الإماراتي كالعقل المبرمج والمطور الرئيسي لكل أنظمة الذكاء الاصطناعي في الشركة. الاجتماع كان ناجح بكل المقاييس، واتفقنا على توقيع العقود خلال أسبوعين، بميزانية ضخمة هتخلي قسمي في الصدارة دايماً.
بعد ما خلص الاجتماع ورجعت مكتبي، لقيت موبايلي بيرن برقم غريب. فتحت الخط، وصوت مألوف جداً، بس مكسور وضعيف، وصلني من الناحية التانية:
— إيميلي… أرجوكِ اسمعيني لدقيقة واحدة.
ده كان صوت دانيال. شكله كان بيعيط، وصوته كان بحران وبيدل على إنه مبهدل تماماً.
رديت بصوت حاسم وخالي من أي تعاطف:
— دانيال؟ رقمك مسجل عندي بس ما كنتش متوقعة إنك لسه عندك جرأة تتصل. خير؟ إيه تاني عايز تخسره؟
— أنا دمرت يا إيميلي… صوفي سابتني أول ما الشغل اترفدنا منه وقالت إنها مش مرتبطة بواحد مفلس وفاشل، وأمي في المستشفى بسبب الضغط والسكر، وأنا قاعد في شقة صغيرة إيجار ومش لاقي حتى شغل في شركة تانية لأن اسمي اتحرق في السوق كله… أرجوكِ، سامحيني، أنا عرفت قيمتك متأخر، تعالي نرجع لبعض، والله أنا ندمان!
ضحكت بسخرية لاذعة هزت حوائط المكتب، وقلت بصوت هادئ وثابت كالجبل:
— ندمان؟ ولما كنت بتبعت رسايل ورحلات وهمية مع ست هانم صوفي وتضحك عليا وتقولولي “إنتي ساذجة”، مكنتش ندمان؟ ولما كنت تمنعني ألبس اللي بحبه وتخلي أمك تهيني، مكنتش ندمان؟ اسمع يا دانيال، إيميلي الهبلة اللي كنت بتلعب بيها ماتت وراحت لحالها من ٣ أسابيع، واللي قدامك دي امرأة بنت نفسها من طين ودم وبقت تدير ملايين، ومش فاضية تلم ورا واحد ضيع عمره بنفسه. الطلاق وصلك، وانسى إنك تعرف طريقي للأبد.
وقبل ما ينطق بحرف واحد، قفلت السكة في وشه وعملت بلوك للرقم نهائياً.
فتحت درج مكتبى، وطلعت صورة جديدة لى وأنا واقفة قدام نفس البحر، بس المرة دي لوحدي، لابسة بدلة أنيقة، والشمس بتشرق — مش تغرب — وابتسامتي كانت حقيقية ونابعة من جوه قلبي، لأول مرة بحس إني ملكة نفسي ومحدش يقدر يتحكم فيا تاني.
فتحت اللابتوب، بدأت أكتب أسطر البرمجة للمشروع الجديد، وأنا بكرر في سرّي: “البداية الحقيقية بدأت دلوقتي وبس.”
بعد مرور ستة أشهر كاملة على يوم الكبرى، كانت حياتي قد دخلت مرحلة من الاستقرار والنجاح لم أكن أحلم بها حتى في أكثر أوقاتي طموحاً. شراكتنا مع الوفد الإماراتي تحولت إلى واقع ملموس، وتم تعيين رسمياً كمديرة إقليمية لقطاع الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي في الشركة، وأصبح اسمي يتردد في كبرى المجلات الاقتصادية والتكنولوجية كواحدة من أبرز المهندسات اللواتي أحدثن طفرة حقيقية في السوق.




