منوعات

حكايات زيزى2

في أحد الأيام، وبينما كنت منغمسة في مراجعة العقود الجديدة على مكتبي الفاخر بالطابق الأخير، خبط الباب ودخلت سارة وهي تحمل باقة زهور بيضاء ضخمة تتوسطها بطاقة أنيقة.
— إيميلي، الباقة دي وصلت للروبوتيشن تحت ومكتوب عليها اسمك بالكامل، وممنوع تسليمها غير ليكي شخصياً.
رفعت حاجبى باستغراب، وسألتها:
— من مين؟ فيه اسم على البطاقة؟
— افتحيها وشوفي بنفسك، بس شكلها مش شخص عادي، دي واضحة إنها حاجة رسمية أو تخص الوفد الجديد.
أخذت البطاقة من يدها بهدوء، وفتحت الظرف الأبيض الصغير. لمعت عينيّ وأنا بقرأ الكلمات المكتوبة بخط يد مرتب وراقي:
«إلى المهندسة الاستثنائية إيميلي… نجاحك الأخير في مشروع الأنظمة الذكية لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل كان إلهاماً لنا جميعاً. أتمنى أن تفضلي دعوتي على العشاء مساء اليوم في مطعم (بالم هيلز) المطل على البحر، لنحتفل بالبدايات الجديدة معاً. — المهندس زياد المكي، رئيس الوفد الاستثماري.»
تذكرت زياد فوراً؛ كان هو المدير التنفيذي للشركة الاستثمارية الكبرى في دبي، ورغم تعاملاتنا المهنية الصارمة والذكية طوال الشهور اللي فاتت، إلا إنه كان دائماً بيظهر احترام شديد لعقلي وطريقتي في إدارة المشاريع، وكان واعي جداً لكل التفاصيل اللي مرت بيا من غير ما يتكلم كتير في خصوصياتي.
سارة ابتسمت بذكاء وقالت:
— ها يا بشمهندسة؟ هنقبل الدعوة ولا نقفل الباب في وجه العرسان الجداد؟
ابتسمت بهدوء، ورجعت خصلة من شعري ورا وداني، وقالت بثقة تامة:
— ابعتي له رسالة وقولي له: إيميلي تقبل الدعوة، بس الساعة ثمنية بالظبط، لأني مش بتأخر عن موعدي.
في تمام الساعة الثامنة مساءً، كنت واقفة قدام مرآة غرفتي في شقتي الجديدة الواسعة اللي اشترتها بفلوسي وبجهدي الخاص. كنت لابسة فستان سهرة راقٍ باللون الأزرق الداكن، بيكسف بجماله أي تردد قديم، وحذاء كلاسيكي أنيق، وشعري منسدل بتمويجة هادئة فوق كتافي. ماكنتش حاسة بأي ذرة خوف أو قلق ولا حتى إحساس بالذنب؛ كنت حرة تماماً، قوية، وملكة نفسي.
وصلت لمطعم “بالم هيلز”، وكان زياد في استقبالي واقف قدام الطاولة المحجوزة خصيصاً على التراس المطل على أمواج البحر المضيئة بأنوار الغروب الصناعية الهادئة. أول ما شافني، ظهرت على وجهه ابتسامة إعجاب صادقة وحقيقية.
— مساء الخير يا إيميلي. كنت خايف تلغي الموعد في آخر لحظة بسبب شغلك الكتير.
صافحته بثقة وإيد ثابتة:
— مساء النور يا مهندس زياد. أنا دايماً بادي الشغل حقه، بس الحياة فيها حاجات تانية تستاهل وقت أطول كمان.
قعدنا على الطاولة، وبدأنا العشاء في أجواء مريحة ومتبادلة من الاحترام والحديث الراقي. تكلمنا عن التكنولوجيا، وعن التحديات اللي بتواجه المهندسات في عالم الذكاء الاصطناعي، وعن إزاي الإنسان يقدر يبني نفسه من جديد بعد ما يتعرض لهزات قوية في حياته. زياد كان مستمع جيد جداً، وعينه كانت بتلمس ذكائي وطموحي من غير أي استصغار أو استنكار زي ما كان دانيال بيعمل زمان.
وفي وسط الكلام، وبصوت هادئ قال:
— بصراحة يا إيميلي، أنا كنت متابع سيرتك الذاتية من أول ما بدأنا الشراكة. مش بس عشان كفاءتك المهنية العالية، ولكن لأن الطريقة اللي درتي بيها أزمتك الشخصية قبل شهور أثبتت لي أن قدامي امرأة مش بيأثر فيها أي عاصفة. إنتي ست مستقلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
بصيت للبحر اللي كان بيلتمس الأمواج قدامنا بهدوء، وافتكرت نفس البحر اللي من ست شهور كانت صوفي بتبعت لي صورة جنبه وهي بتحضن دانيال عشان تكسرني. بس الفرق إن البحر النهاردة كان شكله أرقى، وأنا كنت قاعدة فيه كقائدة مش ضحية.
رفعت كاس عصير الليمون المنعش اللي طلبته، وبصيت له بابتسامة صافية:
— الإنسان يا زياد بيتعلم من أخطائه ومن خيانات اللي حواليه إن أقوى درع ممكن يملكه هو ثقته في نفسه، وإن الإنسان ما يموتش لوحده، لكن يقدر يولد من جديد أقوى وأجمل.
زياد ابتسم ورفع كاسه علشان نخبّي كلينا البدايات الجديدة، وقال:
— إذن، نخب البدايات الحقيقية، والنجاح الذي لا يرتد للوراء أبداً.
رديت بثقة وقوة:
— نعم، للبدايات التي لا تنتهي أبداً.
وفي نفس اللحظة دي، وعلى بعد عدة كيلومترات، في شقة صغيرة ضيقة ومظلمة، كان دانيال قاعد على كنبة قديمة ومتهالكة، التلفزيون العتيق قدامه شغال بصوت واطي، والموبايل في إيده بيقلب في صفحتنا القديمة على فيسبوك. شاف صور الترقية الجديدة بتاعتي، وشاف اسمي اللي بقى منور في كل مكان، ولقى رسالة من المحامي بتاعه بتأكد رفض المحكمة التام لكل طلباته المالية أو محاولاته للرجوع.
رمى الموبايل على الأرض بغضب وقهر، وحط إيده على راسه وهو بيعيط بندم متأخر جداً ومفيدش بحاجة. أما صوفي، فكانت في مكان تاني بتواجه مصير وحدتها بعد ما الكل تخلى عنها بسبب طمعها وخيانتها.
أما أنا، فكنت قاعدة مع رجل بيقدر قيمتي الحقيقية، على نفس شاطئ البحر، بس المرة دي… الموجة كانت لصالحي بالكامل، وللأبد.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى