
حماتي أطرافها أتلجمت ووشها اصفرّ.. بصت للأرض وما قدرتش تنطق بكلمة.
عم جوزي لاحظ سكوت حماتي، وبص بينها وبينـي.. الفكرة بدأت تتسلل لدماغه زي السم. البنت الصغيرـة “شهد” عندها ست سنين، وجت بعد 12 سنة حرمان وجري على الدكاترة، وكانوا بيعتبروها المعجزة اللي حلت على البيت.
عم جوزي مسك في لياقة بدلة أحمد وقال بصوت مرعب:
أمك عارفة إيه؟ مراتك جابت السيرة دي منين؟!
أحمد زق إيد عمه وقال بقلة حيلة:
يا عمي اهدى، كل ده كلام فارغ.. أنت هتصدق واحدة اتجننت عشان كلمتين أتقالوا على السفرة؟
في الوقت ده، دخلت أخت جوزي الأوضة وهي بتصرخ:
بابا! طنط سعاد فاقت تحت وبتبكي وهستيرية، وعايزة تمشي وتروح بيت أهلها فورًا ومصممة تأخد البنت معاها!
الكلمة دي كانت التأكيد اللي عم جوزي محتاجه. ردة فعل مراته وتلبيكها وهروبها المفاجئ أكد له إن في سر أسود مستخبي.
عم جوزي ساب الأوضة ونزل على السلم زي المجنون، والصوت تحت بدأ يعلى تاني.. صريخ سعاد وهي بتحاول تلم حاجتها وتأخد البنت، وصوت عم جوزي وهو بيمنعها وبيطلب منها الموبايل بالكتف.
أحمد لف عليا ومسكني من كتفي وهزني بعنف:
أنتِ دمرتي العيلة! أنتِ عارفة عمي ممكن يعمل إيه لو طلع الكلام ده صح؟! ممكن يقتلها!
رديت عليه وأنا ببتسم في وشه بكل برود:
وأنتم لما دمرتوا نفسيتي تلات سنين وسبتوني أتعالج من مرض مش عندي وسيبتني أتقال عليا “أرض بوار” قدام العيلة كلها عشان تحمي رجولتك المزيفة.. ما فكرتش أنتم دمرتوني ولا لأ؟
أحمد اتصدم من كلامي، وش العيلة المثالية والولد المطيع اتكسر قدامي.
حماتي قربت مني وهي بتبكي دموع كدابة وتترجاني:
يا بنتي.. يخليكي لشبابك.. أنزلي قولي لعمك إنك كنتِ بتتبلي عليها عشان كنتِ زعلانة.. قولي أي حاجة! العيلة هتتخرب، واسم أحمد وابن عمك حيدمر في السوق لو الفضيحة دي طلعت!
بصيت لحماتي وقلت بكل ثقة:
الحقيقة هتطلع يا حماتي.. والنهاردة بالذات، كل الأقنعة هتقع.
نزلت السلم بهدوء، والعيلة كلها كانت واقفة في الصالة تحت، سعاد ماسكة إيد بنتها الصغيرة وبتعيط بانهيار، وعم جوزي واقف سادد باب البيت وبصوت زي الرعد قال:
مفيش مخلوق هيخرج من البيت ده.. ولا بتك دي هتاخديها وتروحي في حتة.. إلا لما نعمل التحليل اللي الهانم قالت عليه!
سعاد بصتلي بعيون مليانة كره ورعب، وفي اللحظة دي.. باب البيت خبط..
كل العيون اتجهت ناحية الباب مع الخبطة الشديدة والمتواصلة، وكأن الصوت جاي في وقته عشان يكمل حالة الذعر اللي مسكت في البيت. عم جوزي بص للباب بريبة، وبعدين زعق في الشغالة: “افتحي شوف مين اللي بيتخبط كده!”
أول ما الباب اتفتح، دخل راجل في الأربعينات، هدمته مرتبة بس وشه مبقع بالأحمر من العصبيـة. الراجل ده كان “سامح”، الأخ الصغير لمرات عم جوزي (سعاد).
سعاد أول ما شافته صرخت وجريت عليه، واستخبت وراه وهي بتترعش وتشهق:
الحقني يا سامح! الناس دول اتجننوا! بياكلوا في لحمي وبيطعنوا في شرفي في نص بيتكوا!
سامح بص للكل بعيون مليانة شر، وبص لعم جوزي وزعق:
جرى إيه يا حسام بيه؟! أنت سايب مراتك تتهان في بيتك من شوية ناس غريبة؟! جايالي مكالمة منها بتصرخ وبتقولي الحقني بيقتلوني! هي حصلت تطعنوا في شرف أختي اللي صايناكم بقالها عشرين سنة؟!
عم جوزي ما تحركش من مكانه، كان واقف زي السد المنيع، وشه خالي من أي تعابير ما عدا الشك اللي كان بيحرق فيه. قال بصوت واطي ومخيف:
أختك ما حدش جه جنبها بجرح واحد.. أختك أغمى عليها وسابت السفرة وقامت تتسحب عشان تاخد البنت وتهرب من البيت في نص الليل!
سامح رد بحدة:
تهرب إيه وزفت إيه؟! الست مرعوبة من الكلام اللي اتقال! من شوية أوباش يدخلوا العيلة ويفرقوا بين الراجل ومراته!
في اللحظة دي، أنا كنت نزلت أخر درجتين على السلم، ووقفت قصادهم بكل ثبات. سامح أول ما شافني وشاف نظرات العيلة ليا، عرف إني أنا اللي بدأت الحريقة. شاورت عليه وبصيت لعم جوزي وقلت بصوت هادي وواثق:
بدل ما تسأله جاي ليه في نص الليل يزعق.. اسأله عن التحويلات المالية اللي بتطلع من حساب أختك كل شهر من خمس سنين لحسابه الشخصي.. تحت مسمى “مصاريف علاج”.. وهو أصلاً مش مريض ولا حاجة.
سعاد صرخت بصوت هيستيري:
اسكتي يا عقربة! اسكتي يخرب بيتك!
لكن سامح وشه اتخطف تماماً، وعينيه بدأت تروح وتيجي بيني وبين أخته.
عم جوزي بص لسعاد وقال بنبرة صوت تقطع العرق والدم:
فلوس إيه اللي بتروحله يا سعاد؟ أنتِ بتديله فلوس ليه من ورايا؟
سعاد بدأت تتأتأ وهي بتعيط:
دي.. دي مساعدات يا حسام.. أخويا وظروفه صعبة..
رديت أنا فوراً:
لا يا عمي.. مش مساعدات. دي فلوس السكوت. الفلوس دي بتروح لسامح عشان هو الوحيد في عيلتها اللي كان عارف بوجود المعمل اللي عملت فيه سعاد العملية برة القاهرة لما الدكاترة هنا رفضوا، وهو اللي جابلها الورق المزيف اللي ثبتت بيه الحمل!
حماتي جريت عليا وحاولت تمسكني من إيدي وهي بتصرخ:
أنتِ إيه؟! أنتِ شيطانة؟! جايبة الكلام ده منين؟! عايزة تخربي البيوت وتفضحينا؟!
زقيت إيد حماتي بالراحة وبصيت لأحمد جوزي، اللي كان واقف ورا أمه زي الخيال، مش قادر ينطق ولا يدافع عني ولا حتى يدافع عن عيلته.
قلت لحماتي:
الفضيحة مش عندي يا حماتي.. الفضيحة عند اللي غشوا ودلسوا. أنتِ وسعاد كنتوا عارفين ببعض! سعاد ساعدتك تخبي سر ابنك “المثالي” وتلبسيني أنا التهمة وتطلعيني أرض بوار قدام العيلة.. وفي المقابل، أنتِ كنتِ سكتالك على المهازل اللي بتعملها وعارفة سر البنت الصغيرة!


