روايات وقصص

حكايات ميرا1

كان عندي رسالة من مجموعة ويستبريدج، واحدة من أكبر المجموعات التجارية في إسبانيا.
عنوان الرسالة كان:
«زيارة رسمية للصين — تأكيد صلاحيات اختيار الشركاء التجاريين».
ابتسمت ابتسامة مُرّة.
إيثان بقاله شهور بيجهز نفسه عشان يقابل مسؤولي مجموعة ويستبريدج.
كان شايف إن لو قدر يوقّع معاهم عقد الشراكة، ترقيته هتبقى مضمونة تقريبًا.
وكان بيتكلم عن الفرصة دي كل يوم، وكأنها أهم حاجة في حياته.
لكن اللي ماكانش يعرفه إن مجموعة ويستبريدج مملوكة لعيلة أمي.
وإن جدي هيكتور، رئيس مجلس إدارة المجموعة، كان مديني صلاحية اتخاذ القرار النهائي بخصوص اختيار الشركاء الجدد في الصين.
فتحت رسالة جدي.
كانت مكتوبة بالإسباني، بلغتي الأم:
«كلير، أنا واثق في حكمك على الأمور. يوم الأربعاء الجاي، القرار النهائي بخصوص شريكنا الجديد في الصين هيكون في إيدك».
فضلت أبص لصورة إيثان اللي كانت لسه على شاشة موبايلي.
افتكرت سخريته مني، وكدبه، والليالي اللي قضيتها مستنياه يرجع، وأنا مصدقة إنه بيشتغل عشاني وعشان مستقبلنا.
وبعدين فتحت الرسالة وكتبت لجدي:
«هحضر الاجتماع يا جدو، لكن أرجوك ما تعلنش عن هويتي دلوقتي».
بعد دقيقة واحدة، جالي رد جدي:
«زي ما تحبي يا حبيبتي. بس قوليلي حاجة واحدة: الراجل اللي عايز يحصل على عقد الشراكة بتاعنا هو نفسه الراجل اللي حكيتيلي عنه من خمس سنين؟».
فضلت باصة للسؤال فترة طويلة.
وفي النهاية، كتبت له:
«أيوه يا جدو. وعايزاه يسمع كل كلمة هقولها له بودانه».
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن صوفي كمان هتحضر الاجتماع ده.
وإن هي وإيثان كانوا مجهزين لي مفاجأة أخيرة، هدفها إنهم يهينوني قدام أهم رجال الأعمال في الصين.
بس المرة دي، هما اللي هيكتشفوا إن البنت اللي كانوا فاكرينها طيبة وضعيفة، كانت تقدر تغيّر مستقبلهم بكلمة واحدة!
يوم الثلاثاء بالليل، موبايلي ما بطلش رن ولا رسايل.
إيثان بعتلي عشرات الرسايل المتنوعة ما بين قلق مصطنع وعتاب:
«كلير، إنتِ فين؟ ليه مردتيش على رسايلي ولا مكالماتي؟»
«حبيبتي، أنا آسف لو كنت اضطريت أوصل صوفي، بس هي كانت تعبانة بجد. ردي عليا لإنار قلقان!»
«ليه ساكتة يا كلير؟ عيب كده، كفاية زعل وتدليع، أنا راجع الشقة دلوقتي وصغيرتي لازم تكون في بيتها».
بصيت للرسايل وأنا قاعدة في الصالون الواسع بشقتي السرية، بشرب قهوتي بهدوء، ومسحت كل الرسايل من غير ما أبرر بكلمة واحدة. كنت محتاجة أهدي أعصابي وأركز في اللي جاي، لإن بكره الأربعاء، وهو اليوم اللي هينتهي فيه كل وهم عشت فيه خمس سنين.
وفي وسط قعدتي، موبايلي رن برقم دولي غريب.
رديت بسرعة:
— ألو يا جدو؟
صوت جدي هيكتور الدافئ والواثق وصلني من الناحية التانية من الخط:
— إزيك يا بنتي؟ طمنيني، جاهزة لمعركة بكره؟
— جاهزة أكتر مما تتخيل يا جدو. كل حاجة مترتبة، والملفات اللي طلبتها مني جاهزة على اللابتوب.
— ممتاز. اسمعي يا كلير، أنا اتأكدت من إدارة الفندق اللي هيتعمل فيه الاجتماع بكره. الراجل اللي اسمه إيثان ده، وبنت تاني معاه اسمها صوفي، قدروا بطريقة ما يحصلوا على دعوة لحضور جزء من الاستقبال كضيوف شرف تابعين للشركة الشحن المحلية اللي متعاقدين معاها. هم مفكرين إنهم هيقدروا يوصلوا لمكتبنا أو يدخلوا صالة الاجتماعات الخاصة.
ابتسمت بسخرية وقولت:
— كويس أوي.. خليهم يجوا ويحضروا بنفسهم. أنا عايزة أشهد اللحظة اللي هيعرفوا فيها مين هي “كلير” بجد.
— على أيدي يا كلير، على أيدي.. تصبحي على خير يا حبيبتي، وبكره نشوف مين اللي بيضحك في الآخر.
قفلنا الخط، ودخلت أنام نوم عميق ومريح، لأول مرة من خمس سنين أنام وأنا مرتاحة من غير خوف ولا قلق من بكره.
الصبح، لبست بدلة رسمية سوداء أنيقة جداً من ماركة عالمية، ورفعت شعري بطريقة كلاسيكية فخمة، وحطيت مكياج هادئ يعكس قوة وثقة مش ضعف. حطيت نظارات شمسية سوداء كبيرة، ونزلت ركبت عربيتي الخاصة لغاية الفندق الضخم اللي هينعقد فيه الاجتماع المغلق لمجموعة ويستبريدج.
أول ما وصلت الفندق، كان الشارع زحمة بالصحفيين ورجال الأعمال وأهم الشخصيات الاقتصادية في البلد. مجموعة ويستبريدج كانت من أهم المستثمرين الأجانب، وكل الشركات المحلية كانت بتجري وراهم عشان توقيع عقود شراكة ترفع أسهمهم في السوق.
دخلت من البوابة الخلفية الخاصة بكبار الشخصيات، واستقبلني مدير الفندق بنفسه بانحناءة احترام وقال بصوت واطي:
— أهلاً بحضرتك يا فندم. جدي هيكتور وصل من دقايق، وقاعة الاجتماعات الخاصة جاهزة تماماً، وكل التعليمات اللي طلبتيها تم تنفيذها بالحرف.
— شكراً يا فندم، مفيش أي حاجة تخرج عن اللي اتفقنا عليه.
طلعت على اللوبي العام متوجهة للمصعد الخاص، وفي اللحظة دي، سمعت أصوات مألوفة جداً بتعلي بصوت مزعج ومستفز.
— بقولك يا إيثان، أنا خايفة المجازفة دي ما تجيبش نتيجتها! إزاي هندخل القاعة الرئيسية وإحنا مش ممنوعين من الدعوة الرسمية الكاملة؟
بصيت بصوت هادي ولقيت إيثان واقف جنب صوفي.
إيثان كان لابس بدلة جديدة كلياً اشتراها بفلوسي الأسبوع اللي فات، وصوفي كانت واقفة جنبه بفساتين براقة ومكياج صارخ، باين عليهم التوتر والغرور في نفس الوقت.
إيثان ضحك بصوت عالي وقال لصوفي وهو بيطبطب على كتفها:
— متخافيش خالص يا صوفي! أنا اتفقت مع مدير العلاقات العامة هنا، ودخلنا كأفراد استشاريين تابعين للشركة المحلية. وبمجرد ما نقابل رئيس وفد ويستبريدج أو مساعديه، هعرض عليهم دراسة الجدوى اللي عملناها، وترقيتي هتبقى في جيبنا! وبعدها نقدر نخلص من كلير دي نهائي.
صوفي ضحكت بدلع وقالت:
— آه والله، دي كانت طفلة مزعجة.. تفتكر هي دلوقتي قاعدة تعيط في البيت عشان سيبناها لوحدها؟
— تلاقيها لسه نايمة ومش فاهمة حاجة في الدنيا زي العادة.. سيبك منها دلوقتي، تعالي ندخل قبل ما الأمن يلاحظنا.
كنت واقفة على بعد خطوات منهم، مستنية أشبع عيني من غرورهم الأخير قبل ما يقعوا.
رفعت نظاراتي السوداء شوية وبصيت لهم بنظرة باردة، وقولت بصوت هادئ ومسموع:
— للدرجادي أنا شغلالكم ليل نهار؟
إيثان وصوفي اتجمدوا في مكانهم وكأنهم شافوا شبح.
التفتوا ببطء شديد، وأول ما شافوني، ملامح إيثان اتحولت من الغرور للصدمة الممزوجة بالغضب:
— كلير؟! إنتِ جيتي هنا إزاي؟ ومنين جيتفلوس البدلة واللبس ده كله؟ وإزاي تسيبيني أمبارح وتروحي مكان من غير ما تستأذني؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟!
قرب مني بغضب حاول يمسك دراعي بخشونة، بس أنا بعدت إيده بسرعة بقوة وبرود خلّاه يتراجع لورا خطوة مستغرب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى