
سجدة بصت لنرمين وهي بتلملم بقايا غرورها المكسور من على أرضية المستشفى، ونرمين خرجت تجري من الأوضة وهي بتعيط بانهيار، كعبها العالي بقى بيخبط بطريقة عشوائية ومكسورة في الممر، لحد ما صوتها اختفى تمامًا.
في الأوضة، الدكاترة والممرضات دخلوا بسرعة بعد صوت الأجهزة، وبدأوا يغطوا وش خالد، واتنقل الجسم البارد بهدوء للثلاجة. سجدة وقفت ثابتة في مكانها، مفيش دمعة واحدة نزلت من عينها. حست ببرودة خفيفة في أطرافها، بس مع البرودة دي، ولأول مرة من 12 سنة، حست بروحها بترجع تتنفس! الثقل اللي كان على صدرها طول السنين دي انكشف وانساب.
رجعت سجدة للفيلا في التجمع الخامس، الفيلا اللي نرمين كانت فاكرة إنها بقت ملكها. دخلت الصالون الواسع، وهناك كان في انتظارها آدم (11 سنة) وليلى (12 سنة). ولادها شافوها داخلة، وجريوا عليها حضنوها بقوة زي كل يوم، من غير ما يعرفوا إن النهاردة فصل تاريخي اتقفل للأبد في حياتهم.
بصت لهم سجدة بعينين مليانين حب حقيقي مش مصطنع، وقالت بصوت هادي ودافي:
— يا ولادي، باباكم راح لربنا.
آدم بص لها باستغراب طفولي وسألها:
— هنزعل يا ماما؟
سجدة مدت إيدها مسحت على شعره بحنان وقالت:
— هنزعل على الإنسان المريض اللي اتعذب في آخره يا حبيبي، بس حياتنا إحنا هتبدأ بجد من النهاردة.
مرت أيام العزاء بسرعة. كانت سجدة واقفة تستقبل المعزين بثبات يثير الدهشة والاحترام. مفيش دموع مزيفة، ومفيش تمثيل. كانت الست القوية اللي الكل بيستند عليها. وأثناء أيام العزاء، كانت الإجراءات القانونية بتخلص في الهدوء التام؛ أموال خالد اللي حاول يخفيها وتربيها لغير مراته، رجعت كلها لحسابات أولاده بحكم القضاء، والفيلا فضلت باسم سجدة وأولادها بقوة القانون والتوكيلات اللي كانت مأمنة نفسها بيها من سنين.
لكن… الحكاية لسه منتهتش عند وفاة خالد!
بعد مرور أسبوعين من العزاء، وفي ليلة هادية، كانت س قاعد لوحدها في مكتب خالد القديم بتراجع بعض الأوراق والملفات الخاصة بالشركة والشركاء القدامى. وهي بتقلب في الدرج السري للمكتب، لفت انظارها ظرف أسود قديم، مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه بخط يد خالد بخط عريض:
“إلى زوجتي العزيزة سجدة… لو الظرف ده اتفتح، معناه إني مت، ومعناه كمان إنك كسبتِ الجولة دي… بس اللعبة الأكبر لسه في إيد شخص تاني!”
سجدة عيناها ضاقت بتركيز شديد. مسكت الظرف وإيديها ثابتة تمامًا، وفتحته ببطء. طلعت ورقة مكتوبة بخط خشن ومريب، ومعاها فلاش ميموري صغيرة سوداء.
بدأت تقرأ الورقة بصوت عالي لنفسها:
“يا سجدة، مفكرة إنك أذكى مني؟ مفكرة إن نرمين كانت هي الضلع الأهم في حياتي السرية؟ دي كانت مجرد واجهة، شطارة مني عشان أخبي وراها الحقيقة الأكبر. الشركاء الكبار اللي ساعدوني في تأسيس ثروتي من 15 سنة، واللي سرقوا معاي أصول شركة أبوكي… ما ماتوش بموت خالد! وهما دلوقتي مش هيسيبوا الفلوس دي تروح لمرت خالد العبقري بسهولة. الورق اللي معهم يدين شركتكم كلها بالإفلاس الجنائي، وخلال 48 ساعة، يا إما تتنازلوا عن كل حاجة، يا إما آدم وليلى يدفعوا التمن غالي أوي!”
قبل ما سجدة تستوعب خطورة الكلام، التليفون الأرضي في المكتب رنّ برنين مزعج في نص الليل الساكت.
رفعت السماعة ببطء، فطلع صوت خشن، مجهول، وبارد كالجلد الميت يقول لها:
— أهلاً يا دكتورة سجدة… العزاء خلص، وجه وقت دفع الفاتورة الحقيقية. الملفات اللي مع جوزك في الفلاش ميموري دي هي اللي هتحدد إذا ولادك هيعيشوا سالمين بكره الصبح ولا لأ! قدامك لحد بكره الساعة 12 الظهر، يا إما تسلمي كل الأصول، يا إما نلعب على المكشوف!
السماعة قفلت بصوت “طوووط… طوووط”.
سجدة بصت للفلاش ميموري السوداء اللي في إيدها، وبعدين بصت من شباك الفيلا الناحية التانية لأوضة ولادها النايمين في أمان تام.
على شفايفها ظهرت ابتسامة غريبة، مش خوف ولا انهيار، دي كانت نفس الابتسامة اللي ظهرت لما شافت نرمين في المستشفى!
فتحت اللابتوب، وركبت الفلاش ميموري، وقالت بصوت همست به لنفسها في السكون:
— مفكرين إنكم هددتوني بولادي؟ دي غلطتكم الكبيرة… لأن سجدة اللي سكتت 12 سنة عشان تحمي ولادها، جاهزة تحرق العالم كله عشانهم!
سجدة وصلت الفلاش ميموري باللابتوب، والشاشة نورت فورًا بملف مضغوط محمي بكلمة سر. بصت للسر المكتوب في آخر الرسالة الورقية اللي تركها خالد، وكان عباره عن تواريخ ومفتاح شفري. كتبت الرمز، وفتحت الملفات.
اللي ظهر على الشاشة كان مفاجأة أكبر بكتير من مجرد حسابات بنكية أو مستندات سرقة؛ دي كانت تسجيلات صوتية وفيديوهات مصورة بجودة عالية، بتكشف شبكة رجال أعمال نافذين في السوق، بيقودهم شخص اسمُه “رؤوف الدمنهوري”, شريك خالد القديم واللي الكل كان بيعتقد إنه رجل أعمال شريف ومحسن كبير!
الملفات بتثبت بالدليل القاطع إنهم هم اللي دبروا حادثة تصفية شركة أبوها زمان، وهما اللي هددوا خالد وخلوه واجهة لتبييض الأموال، ولما خالد مرض وحاول يتراجع في آخر أيامه، كانوا بيراقبوه وعارفين كل خطوة بيخطوها.
سجدة ما ضيعتش ثانية واحدة في البكاء أو الخوف. فتحت درج المكتب، وطلعت تليفون قديم خاص بشغل سري جداً كانت بتديره بعيد عن عيون خالد. كلمت شخص واحد بس: اللواء هشام، صديق قديم لأبوها اللواء الراحل، وكان لسه في منصبه القيادي الحساس في جهاز الرقابة ومكافحة الجرائم الاقتصادية.
قالت بصوت حاسم وواضح من غير أي تردد:
— يا فندم، أنا سجدة بنت الكابتن عبدالسلام… الملفات اللي بتدوروا عليها من سنين وبتبحثوا عن أدلة إدانة ضد رؤوف الدمنهوري وشلته، بقت كلها معايا دلوقتي على فلاش ميموري، ومعاها تسجيلات صوتية حية بتدينهم في قضايا تبييض أموال وتصفية شركات.
اللواء هشام اتفاجئ وقال بصوت جاد:
— يا بنتي أنتي عارفة إنتي بتقولي إيه؟ دول ناس خطرين جداً، ورؤوف ده ماسك خيوط اقتصادية ضخمة! أنتي فين دلوقتي؟!



