Uncategorized

حكايات اسما 1

لمدة اتناشر سنة كاملة، سجدة كانت عارفة كويس إن جوزها خالد ماشي في سكة الخيانة. كان فاكر نفسه ذكي وبيلعبها صح، وإنه بيعرف يخبي علاقاته كويس ومحدش حاسس بيه، بس في الحقيقة كان فاشل جداً حتى في أبسط قواعد التخبي! كانت بتسمع بودانها، وبتشوف بعينيها، وعارفة كل صغيرة وكبيرة بتدور من ورا ضهرها، سواء كلام أو أفعال. ورغم كل ده، اختارت تكمل وتلعب دور الزوجة المثالية باتقان شديد.

 

وقفت جنبه في كل أزمة عدت عليه، واهتمت بيه وبأدق تفاصيل حياته، وراعيته لحد ما بقى في ظروفه الصعبة دي، لدرجة إن اللي حواليهم كانو فاكرين حياتهم جراف ومرتاحة. بس قسوته وجحوده مخلصوش، وحتى وهو عيان وتعبان، كان بيبصلها بنظرات مليانة غرور وتعالي، ويهمز بكلمات قاسية.

سجدة شالت السر ده جواها طول الـ 12 سنة جوّاز، ومحكتوش لا لصاحبة، ولا لأهلها، ولا حتى قدرت تنطقه بصوت عالي لنفسها. قدام الناس، كانت هي الست الراقية، زوجة رجل أعمال ناجح، عايشة في فيلا فخمة في القاهرة الجديدة، وعندها ولد وبنت زي القمر، وحياة كل الناس بتحسدها عليها. بس الحقيقة جوه قلبها كانت مختلفة تماماً؛ مكانش فيه غير رماد! رماد حب قديم اتحرق، وثقة اتكسرت في ليلة واحدة، الليلة اللي مات فيها إحساسها به ومـرجعش تاني أبداً.

الفصل الأول: ليلة البداية
أول مرة سجدة اكتشفت فيها خيانة خالد، كانت بنتها الصغيرة لسه مكملتش أربع شهور. كانت ليلة شتوية بربرة، والمطر نازل بغزارة، والشوارع هادية جداً. الأسفلت بيلمع من المية، والهوا الساقع جاب ريحة الأرض المبلولة اللي هي بتحبها. بس الليلة دي بالذات كانت بداية الوجع اللي فضل عايش في قلبها سنين.

صحيت على صوت عياط بنتها، فقامت تحضر لها ببرونة اللبن. مدت إيدها في السرير جنبها تدور على خالد، بس لقت نصه فاضي وبارد. استغربت في الأول بس مسألتش نفسها كتير، وخرجت من الأوضة بهدوء عشان مصحیش حد. وهي معدية جنب أوضة المكتب، لفت انتباهها نور خافت طالع من تحت الباب، ومعاه صوت واطي.

قربت بخطوات بطيبة وبحذر، ولقيت خالد واقف قدام اللابتوب، بيتكلم فيديو كول مع بنت شابة أصغر منه بكتير. والأغرب من وجود البنت نفسها، كان صوته هو! صوت ناعم، مليان حنية ولهفة عمرها ما سمعته منه طوال سنين جوازهم! سمعته بيقول بكل حب: “وحشتيني يا حبيبتي… يا ريتك كنتِ معايا الليلة”.

سجدة اتجمدت مكانها! كانت سامعة جوزها بيكلم واحدة تانية بكلام عمره ما قاله لها، ولا حتى فكر يهمسه في ودنها مرة واحدة. الحنية اللي كانت ميتة عليها بتيجي منه، كان بيديها لغيرها بكل بساطة. إديها بدأت ترتعش، والبرونة وقعت على الأرض واتدحرجت فوق الرخام بهدوء.

وقفت ثواني مش قادرة تستوعب، بس الغريب إنها ما صرختش، وما فتحتش الباب تزعق، ولا سألته مين دي. كل اللي عملته إنها انحنت جابت البرونة، ورجعت أوضتها بهدوء يحيّر. حضنت بنتها، وقعدت على طرف السرير، ولما البنت نامت، فضلت باصة لسقف الأوضة للصبح. عينيها كانت مفتوحة، بس روحها كانت ماتت. ومن الليلة دي، سجدة ما بقيتش نفس الست القديمة.

الفصل الثاني: طريق الصمت والترتيب
من الليلة دي، سجدة اختارت الصمت، وقررت تكمل حياتها قدام الناس بشكل طبيعي جداً. بس علاقتها بخ خالد بقت باردة ومفيهاش أي مشاعر. بقت بتتعامل معاه كأنها آلة، بتعمل واجباتها من غير إحساس ولا استقرار عاطفي.

أما خالد، فضل عايش في دوره كراجل أعمال ناجح، سفريات شغل مابتخلصش، واجتماعات لأخر الليل، ومكالمات غامضة وأعذار جاهزة. وأحياناً كان بيرجع بهدية غالية، دهب أو برفيوم غالي، كأنه بيحاول يسكت ضميره أو يشتري سكوتها من غير ما يفتح كلام. وسجدة كانت بتاخد الهدية وتبتسم ابتسامة هادية، وتكمل يومها عادي جداً.

لكن في السر، هي كانت ماشية في طريق تاني خالص. رجعت تشتغل في عيادتها النفسية، وبدأت تهتم بنفسها وبمستقبلها أكتر. كانت بتحوش كل قرش بتقدر عليه بعيد عن فلوس خالد، عشان تبني لنفسها ولولادها (آدم وليلى) ملجأ آمن تقدر تلجأ له في اليوم اللي تحس فيه إن الصمت مابقاش ينفع.

ولادها بقوا دنيتها كلها، عاشت عشانهم وعوضتهم عن أي نقص في البيت، بتضحك معاهم وتذاكر لهم، وتخبي جواها كل الوجع. وأصحابها لما كانو بيزورها في الفيلا ويشوفوا الرفاهية، يقولوا لها: “يا بختك يا سجدة، خالد مدلّعك وعايشك ملكة!”، فكانت تبتسم وتقول: “الحمد لله، عندي ولادي وبيتي وكل حاجة”. بس عمرها ما قالت لهم إن أكتر حاجة كانت ناقصاها هي الأمان.

الفصل الثالث: التعب وصدمة المرض
مرت 12 سنة كاملة من السكوت والتطنيش. لحد ما فجأة، الدنيا اتغيرت. خالد، الراجل القوي اللي كان فاكر إن فلوسه ونفوذه هيحموه طول العمر، بدأ يخس بسرعة غير طبيعية، ووشه اصفر والتعب بان في عينيه. في الأول كان بيقول إرهاق شغل، بس حالته ساءت لحد ما اضطر يدخل المستشفى ويعمل فحوصات شاملة.

والنتيجة كانت صدمة للكل: سرطان في الكبد في مراحله الأخيرة!
الخبر نزل على العيلة كالصاعقة، والدكاترة قالوا إن الحالة متقدمة جداً والعلاج هيكون بس لتخفيف الألم. وهنا بدأت رحلة علاج طويلة في مستشفى خاص بالتجمع. فلوس كتير بتتصرف، وصحة بتنهار كل يوم، والشخص الوحيد اللي فضل قاعد جنبه ليل ونهار يخدمه هي سجدة!

الست اللي خانها سنين طويلة وفضل جارح قلبها، كانت قاعدة بتأكله، وتمسح العرق من جبينه، وتعدل له المخدة. ما عايرتوش بحاجة، وما قالتلوش إنه بيستاهل اللي حصله. كانت بتعمل كده من باب الواجب الإنساني والأخلاقي وبس، لأنها خلاص خلصت حب من زمان.

الممرضات كانو بيبصوا لها بانبهار ويقولوا: “يا بخت الراجل بست زيك يا هانم، بتخدمه كأنها لسه عروسة”، وهي كانت بتسمع وتسكت، ومحدش كان فاهم إن القلب مات من سنين والإحساس اللي باقي هو المسؤولية ومش أكتر.

الفصل الرابع: ضيفـة غير مرغوب فيها
في عصر يوم هادي، والشمس داخلة من شباك الأوضة، وخالد نايم تعبان على السرير، وسجدة قاعدة جنبه بتتابع مواعيد الدواء، فجأة… صوت كعب عالي بيدق في ممر المستشفى. صوت منتظم وواثق بيقرب خطوة بخطوة.

رفعت سجدة عينيها للباب، ولقيت واحدة شابة داخلة. لابسة فستان أحمر أنيق، وشعرها متصفف بعناية، وماشية بغرور كأنها جاية تاخد مش تازور مريض بيموت. وقفت الست دي عند باب الأوضة، وسجدة بصت لها بهدوء تام، ومن غير ما تتخض أو تسألها “إنت مين”، ابتسمت لها ابتسامة هادية وغامضة!

لأن سجدة كانت عارفة كويس مين دي! دي “نرمين”، نفس البنت اللي سمعت صوتها قبل 12 سنة وهي بتهمس لخالد في ليلة المطر. خالد فتح عينيه بصعوبة ولما شافها، ظهرت في عينيه نظرة قلق وارتباك كبير.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى