منوعات

حكايات رشا 1

بدأت أقرأ من الشاشة قدامه تفاصيل البنود اللي جمعتها في ثوانٍ معدودة:
* **باب المصفح الأصلي ومجموعة الكوالين المستوردة:** 120 ألف جنيه.
* **أعمال التشطيبات الكاملة (أرضيات بورسلين، سباكة، كهرباء، دهانات خاصة):** مليون و200 ألف جنيه.
* **الأثاث المصنوع خصيصاً على المساحة (دريسينج روم، دواليب، مطبخ خشب زان):** مليون و500 ألف جنيه.
* **الأجهزة الكهربائية المتكاملة (ثلاجة، غسالة ملابس وأطباق، بوتاجاز، تكييفات مركزية):** 850 ألف جنيه.
* **الشاشات والإضاءات والنجف المستورد والتحف:** 460 ألف جنيه.
* **المفروشات والستائر والسجاد الإيطالي والمراتب الطبية:** 300 ألف جنيه.
جمعت الأرقام قدامه ورفعت عيني في عينه وقلت:
«المجموع الدقيق للي اتدمر قدام سعادتك هو 4 مليون و530 ألف جنيه. وده مجرد الحد الأدنى لقيمة الحاجات اللي اتكسرت أو بوظوها، ولسه فيه مصاريف رفع القمامة، وتكلفة العمالة لإزالة الركام، وتأجير مكان تاني أقعد فيه لحد ما الشقة ترجع زي ما كانت.»
الظابط بلع ريقه وسكت تمامًا، وبص للعساكر اللي حواليه وقال بصوت منخفض: «اكتبوا التقديرات دي في المحضر بدقة، وجهزوا استدعاء فوري لكل اللي ظهروا في الكاميرات.»
في اللحظة دي، الموبايل اللي في جيب طقم البدلة بتاعي رن. اتهزت النغمة الهادئة في الصالة المدمرة، وكأنها صوت غريب في ساحة حرب. طلعت الموبايل وبصيت على الشاشة.
**أحمد.**
خطيبي.
عقلي رجع بيا للوراء ثوانٍ معدودة.. تذكرت لما سارة جتلي الشركة من شهر تقريبًا، وطلبت مني مبلغ مالي كبير بشكل فج. وقتها قالت لي ببرود: «أنتِ شقتك جاهزة وبتدخلي قبض كبير من شغلك، هتموتي يعني لو سلفتيني مائة ألف جنيه أغير بيها عربيتي؟ أخويا أحمد على قد حاله على ما يتجوزك، اعتبريها مساعدة من مراته المستقبلية!»
طبعًا رفضت. رفضت بأسلوب حاسم وقلت لها إن فلوس تعبي مش للرفاهية، وإن أحمد لو محتاج حاجة يقولي بنفسه. ومن يومها، نظرات العِداء في عين سارة كانت بتتحول لحقد واضح، لحد ما توّجت حقدها بالمهزلة اللي أنا واقفة فيها دلوقتي.
فتحت الخط، وسمعت صوت أحمد مذهول ونفسه مقطوع من التوتر:
«مريم! إنتي فين؟ كلميني بسرعة، أمي وسارة بيقولوا إن… إن فيه مشكلة حصلت في الشقة وإنك بلغتِي الشرطة! هو إيه اللي حصل يا مريم؟ فهميني!»
جسمي كله اتشد، لكن صوتي فضل هادئ وثابت لدرجة أخافتني أنا شخصياً. رديت عليه بنبرة باردة خالية من أي مشاعر:
«أهلاً يا أحمد. أحسن إنك اتصلت بنفسك عشان توفر عليّ اتصال تاني بيك.»
سكت ثانية من الصدمة وقال بصوت مرتبك:
«إيه الكلام ده؟ صوتك ماله؟ وشقتي.. أقصد شقتك فيها إيه؟ أمي بتقول إن سارة كانت هناك وحصلت مشادة بسيطة وإنكم بالغتُوا في رد الفعل والشرطة جت!»
«مشادة بسيطة؟» ضحكت ضحكة قصيرة جافة وخطوت خطوتين لحد ما وصلت لباب البلكونة المكسور، ووجهت الكاميرا ناحية الكنبة المتقطعة والرخامة المكسورة، وقولت له بنبرة حادة:
«تعال حالا على شقة وادي النخيل العمارة رقم 9 الدور العشرين.. وتعال بنفسك اتفرج على “المشادة البسيطة” اللي أختك المحترمة عملتها، وهي ومعاها بلطجية كاسرين الباب المصفح ومدمرين كل زاوية في الشقة تمن تعبي وشقى ست سنين!»
صوت أحمد اتقطع وقال بتلعثم وخوف:
«إيه… مستحيل! سارة مستוмі… أقصد سارة ممكن تكون اتصرفت بعصبية شوية بس أكيد مش للدرجة دي! إنتي فين دلوقتي؟ أنا جاي حالاً!»
«تعال»، قفل في وشي من غير ما أسمع باقي كلامه.
قعدت على كرسي سليم الوحيد اللي كان في زاوية المطبخ، حطيت اللابتوب قدامي، وبدأت أراجع كل محضر الشرطة اللي بيتكتب كلمة بكلمة. الظابط الكبير جه وقعد قدامي على كرسي مقلوب وقال بهدوء:
«يا أستاذة مريم، بما إن الجاني أخت خطيبك، فهل أنتم ناويين تتفاهموا ودي قبل ما الأمور تاخد مجراها القانوني الجنائي؟ لأن تهمة اقتحام ملكية خاصة وإتلاف عمد عقوبتها كبيرة وممكن توصل لسنين حبس.»
بصيت للظابط، وملامح وجهي كانت صلبة كالحديد. قلت له بكل حسم:
«تفاهم؟ أي تفاهم ده يا باشمهندس؟ دي مش مشاجرة بين جيران، دي جريمة مدبرة بتعمد تام لإذلالي وتخريب بيتي. وأنا مش هتنازل عن مليم واحد من الـ 4 مليون و530 ألف جنيه، ومش هقبل بأي تصالح يقلل من حقي القانوني الجنائي والمدني.»
الظابط هز راسه باحترام وقال: «تمام، الشكوى رسمية والسيستم سجل كل الفيديوهات والتلفيات، وسارة ومجموعة الأشخاص اللي معاها هيتم القبض عليهم للتحقيق خلال ساعات.»
بعد نص ساعة تقريباً، سمعت صوت خطوات سريعة ومرتبكة على السلم. الباب المكسور اتفتح على مصراعيه، ودخل أحمد وهو بيلهاث ووجهه أصفر تمامًا من الرعب، ووراه أمه وهي بتصوت وتلطم على خدودها، وسارة واقفة وراهم بملامح كلها تحدي وغرور رغم الخوف الظاهر في عيونها.
أحمد بص حواليه في الشقة المدمرة، واتجمد مكانه، وفتح بقه ومش عارف ينطق حرف واحد. الشقة اللي كانت حلم حياته وحياتي بقت كومة ركام وزجاج مكسور.
أمه جريت ناحيتي وهي بتزعق بصوت عالي:
«إنتي مجنونة يا مريم؟! بتطلبي البوليس لبنت جوزك وسلفتك المستقبلية عشان شوية حاجات تافهة اتكسرت بالغلط؟! إنتي ناوية تخربي بيتنا وتدخلي البت السجن عشان كرسي وكم حتة خشب؟!»
وقفت بهدوء من مكاني، وربطت إيدي الاثنين قدام صدري، وبصيت للأم ومن بعدها لسارة اللي حاولت تداري ارتباكها، وقلت بصوت هادي وقاطع قص صوت صراخهم كلهم:
«شوية حاجات تافهة؟ 4 مليون و530 ألف جنيه بقوا حاجات تافهة يا طنط؟ تمام، وفروا كلامكم كله قدام وكيل النيابة والشرطة.»
أحمد جى ناحيتي وماسك في إيدي برجاء وقال بصوت مكسور:
«مريم… عشاني أنا، وعشان سنين الحب اللي بينا، اتنازلي عن المحضر وخلينا نصلح ده كله بهدوء… سارة غلطت وهتعتذر لك، وأنا هساعدك في…»
قاطعت كلامه بمنتهى القسوة وأنا بسحب إيدي من بين إيديه ببطء، وبصيت له نظرة أخيرة خالية من أي حب أو عطف:
«أحمد.. الجوازة دي انتهت من اللحظة اللي أختك دخلت فيها بيتي وكسرته. واللي بوّظ حاجة.. هو اللي هيدفع تمنها للقرش الأخير.»
وفعلاً.. سارة اترعبت لما شافت عساكر الشرطة بيقربوا منها عشان ياخدوها للقسم، وأم أحمد قعدت على الأرض تصوت، بينما أنا بكل هدوء قفلت اللابتوب، حطيته في شنطتي، ومشيت وسيبتهم كلهم في وسط الخراب اللي عملوه بإيديهم.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى