
ساد صمت مفاجئ أمام البوابة. أمي رفعت رأسها بغضب نحو الكاميرا، وكأنها لم تصدق أنني تجرأت على الرد، ناهيك عن رفضها.
“انتي بتكلمي مين كده؟!” صاحت أمي بصوت علا حتى وصل إلى الشارع الخارجي، “دي أختك وأولادها، وين المفروض نلجأ؟ صاحب الشقة القديمة طردنا عشان متأخرين في الإيجار ست شهور، وجوزها خسر شغله في الورشة! افتحي حالاً قبل ما ألم عليكِ جيران الشارع!”
ضحكت بسخرية خافتة وحدي في الغرفة. ليتهم عرفوا كم مرة نمت فيها على رصيف بارد، وليتهم تذكروا علبة الشوربة المعلبة التي أهدتني إياها قبل أن في ذلك اليوم الممطر.
“الجيران هنا يعلمون جيداً لمن ينتمي هذا المكان،” قلت بصوت حازم قاطع، “وليس لدي أي التزام تجاه أشخاص تخلوا عني وأنا في التاسعة عشرة بحجة أنني أصبحت مسؤولة عن نفسي. لقد أثبتم يومها أنني لست ابنتكم ولا أختكم، فلماذا تذكرتم رابطة الدم الآن فقط حين تحولتم إلى لاجئين بلا مأوى؟”
أختي تقدمت نحو الكاميرا، وظهر وجهها محتقناً بالدموع والغضب المعتاد:
“إنتِ بتنتقمي عشان حاجات تافهة من زمان؟! دي عيلتي يا جشعة! إنتِ طول عمرك أنانية ومش بتاخدي بالك غير من نفسك!”
“العكس هو الصحيح تماماً يا أختي العزيزة،” رددت عليها ببرود تام، “طوال حياتي كنت آخذ بالي من نفسي لأنكم لم تقم بذلك أبداً. أما عن الانتقام، فهو ليس في قاموسي.. ما ترونه الآن هو فقط النتيجة المنطقية لكل ما زرعتموه بيديكم.”
أشارتُ بيدي إلى أحد الموظفين الواقفين بجانبي في صمت، والذي كان يراقب المشهد بذهول. أومأ برأسه وضغط على زر آخر، فارتفعت لافتة حديدية كبيرة فوق البوابة كُتب عليها بخط واضح: (منطقة عمل خاصة – ممنوع الوقوف أو الاقتراب تحت المساءلة القانونية). وفي نفس اللحظة، ظهر اثنان من حراس الأمن الخاص الذين تعاقدت معهم مؤخراً لتأمين محيط الورشة، ووقفا بثبات عند مدخل البوابة، يحملان أوراقاً قانونية رسمية تثبت ملكية الأرض والمنشأة باسمي وحدي.
جوز أختي تقدم محاولاً دفع البوابة بكتفه، فصرخ به أحد الحراس بصوت جاف حاسم: “ابعد عن البوابة فوراً وإلا سنضطر لاستدعاء الشرطة بتهمة التعدي على ممتلكات خاصة وإعاقة حركة المرور.”
أمي بدأت تفقد صوابها، فأخذت تلوح بيديها وتصرخ بكلمات غير مفهومة عن العقوق والجحود، بينما أختي جلست على إحدى الكراتين المرصوصة بجانب الطريق وأخذت تبكي بصوت عالٍ، ممسكة برأسها، وكأنها تنتظر سحراً ما يغير الواقع.
أغلقت شاشة المتابعة الكبيرة أمامي بهدوء، والتفت إلى الموظفين الاثني عشر الذين كانوا يتابعون الموقف عيونهم مشدودة نحوي بتقدير واحترام صامت. قلت لهم بصوت طبيعي:
“تفضلوا يا شباب، لنعود إلى العمل. مرتبات اليوم تم مراجعتها، ولدينا شحنة جديدة يجب تسليمها لمطعم وسط البلد في موعدها المحدد.”
عدت إلى مكتبي، وجلست على الكرسي الجلدي الذي اشترته بعرقي وتعب سنيناً طوال. نظرت من النافذة الزجاجية الكبيرة للورشة نحو الشارع الخارج؛ حيث كانت عربية النقل تتحرك ببطء شديد، متراجعة للخلف متخذة طريقها للرحيل إلى حيث لا أعلم، ولا يهمّني أن أعلم.
لم تعد البوابة المقفولة مجرد حديد يفصلني عن العالم الخارجي؛ بل أصبحت الحصن الأخير لامرأة لم تكسرها العواصف، ولم تبكِ على أطلال ما فات، بل بنيت فوقه قصراً من الفولاذ والخشب الخالص.



