
مرّت ثلاثة أشهر على ليلة الفضيحة الكبرى في الفندق. كانت داليا تجلس على شاطئ البحر في مرسى مطروح، الهواء البارد يلفح وجهها، وشاشة هاتفها تضيء بين الحين والآخر بأخبار وقضايا التجمع التي أصبحت حديث الساعة. لكن ما لم يكن يعلمه أحد، هو أن داليا لم تكتفِ ليلة الحفل ولا التنازلات؛ فقد كانت تلك مجرد البداية في خطة أطول وأعمق، أطلقت عليها في مفكرتها السرية: “الانتقام رقم 100”.
في القاهرة، كان حازم يمر بأبشع أيام حياته. قضى أسابيع بين أقسام الشرطة والنيابة العامة، محاصراً بقضايا التزوير والالتي حركتها داليا بدهاء، فضلاً عن غضب والد ريم، الذي لم يكتفِ بطرده وسحب كل التسهيلات والتمويلات منه، بل أرسل رجاله لتهديده وإجباره على سداد كل الشيكات وإيصالات الأمانة التي كان قد وقعها سابقاً.
أصبح حازم مديناً بملايين الجنيهات، ومجرداً من كل ، بعدما تخلت عنه ريم تماماً ورفضت الرد على مكالماته، بل وشهدت ضده في النيابة لإنقاذ سمعة عائلتها! أما شريف وكريم، فقد تحولا إلى أعداء لديدين له؛ كل منهما يتهمه بالتدبير والتحريض للمقالب القاسية التي مارسوها على مدار ثلاث سنوات ضد داليا، ورفعت عليهم قضايا ابتزاز وإيذاء نفسي موثقة بالتسجيلات.
في يوم أشهب، تلقى حازم إشعاراً قضائياً برفض الاستئناف وجلسة محاكمة نهائية تتطلب حضور جميع الأطراف. شعر أن طوق النجاة الوحيد هو أن يتوسل لداليا لنسخ القضايا أو التنازل عن البلاغات مقابل أي شيء.
وصل حازم إلى مرسى مطروح بذلّ وشحوب لم يسبق لهما مثيل. كان يرتدي ملابس رثة مقارنة بملابسه الأنيقة السابقة، وجهه نحيف، وعيناه غائرتان. وقف أمام منزل والد داليا المطل على البحر، وظل ينتظر تحت الشمس لساعات حتى خرجت داليا في المساء لتشتري بعض الاحتياجات.
اعترض طريقها ورمى نفسه على ركبتيه فوق الرمل، واجر بالبكاء:
“داليا.. أرجوكِ يا داليا! ارحميني.. أنا اتدمرت! ريم ووالدها رفعوا عليا قضايا السجن، وصحابي سابوني وبيعاملوني زي الكلاب، وأمي جالهـا السكر من الزعل عليا.. أنا عارف إني كنت واطي وحقير، بس حرام المرة الـ96 دي حياتي كلها! تنازلي عن القضايا وأنا أوعدك أختفي من حياتك للأبد!”
وقفت داليا تنظر إليه ببرود تام، لم يتحرك في قلبها ساكن. لم تعد تلك الفتاة الساذجة التي تبكي وتجري وراءه تحت المطر أو تتبرع بدمها من أجله.
قالت بصوت هادئ يحمل نبرة السخرية:
“تسعة وتسعين يا حازم.. مش ستة وتسعين. أنت نسيت إنك طلبت مني أتنازل عن الشقة ومكتسبات مشروعي وعن الجواز؟ الثلاث حاجات دول كانوا الرقم 97 و98 و99.. فاضل رقم واحد بس عشان نقفل المية.”
ارتعش حازم من الرعب، ونظر إليها بذهول: “رقم واحد؟ قصدم إيه؟ أنتِ عايزة مني إيه تاني؟! أنا معنديش حاجة أخسرها خلاص!”
ابتسمت داليا وقالت: “بكرة الجلسة الأخيرة في القاهرة.. تحضر بنفسك وتعرف رقم 100 إيه هو.”
تركت داليا حازم يصرخ ويتوسل فوق الرمل، وقادت سيارتها عائدة مع والدها إلى القاهرة لحضور المحاكمة التي جذبت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت قصتها كرمز للفتاة التي ثأرت لكرامتها بعد سنوات من الاستغلال.
في صباح اليوم التالي، كانت قاعة المحكمة بالجمعية القضائية في التجمع الخامس مكتظة عن آخرها.
حضر حازم، وشريف، وكريم، ومحاموهم، متراصين في قفص الاتهام بوجوه صفراء. وفي الجهة الأخرى كانت تقف ريم الألفي مع والدها ومحاميها، محاولين إبعاد التهمة عن أنفسهم والإدعاء بأنهم كانوا ضحايا لخداع حازم.
وقف محامي داليا وقدم للقاضي مستنداً جديداً لم يكن يعلم عنه أحد شيئاً حتى تلك اللحظة.
قال المحامي بصوت واثق:
“سيادة القاضي.. يقدم الدفاع اليوم دليل الانتهاك الأعظم والأخطر الذي ارتكبه المتهم الأول حازم بالاشتراك مع المتهمة ريم الألفي وشلتهم الملاعين. القضية ليست مجرد مقالب أو تبرع بالدم.. المتهمون قاموا قبل عامين بتزوير أوراق علمية ونسب بحث مبتكر في مجال البيانات والتعبير الحركي باسم ‘ريم الألفي’، وهو البحث الذي سُرقت فيه مجهودات موكلتي داليا مصطفى، واستُخدم لتسهيل حصول ريم على منحة استثمارية بقيمة 10 ملايين جنيه من صندوق دعم الشباب التابع للدولة!”
انقبضت أنفاس القاعة بالكامل. التفت رجل الأعمال الألفي إلى بنته ريم بنظرة ذهول ورعب، بينما بدأت ريم بالصراخ والبكاء الهستيري:
“لأ! لأ يا بابا! حازم هو اللي جاب لي البحث وقال لي إنه بتاعه ومعدش محتاجه!”
لكن المحامي أخرج أصل التسجيلات والمستندات الإلكترونية الموثقة بالشفرة الزمانية (Timestamp) التي استخرجتها داليا بمهارتها في تقنية المعلومات، والتي تثبت أن حازم وريم اتفقا على سرقة البحث قبل الفوز بالمسابقة الجامعية بأيام، لتجريد داليا من حقوقها الفكرية والمادية!
نطق القاضي بالحكم الذي زلزل القاعة:
أولاً: السجن المشدد لمدة 7 سنوات لحازم بتهم التزوير والاحتيال والابتزاز وسرقة الحقوق الفكرية.
ثانياً: السجن لمدة 3 سنوات لشريف وكريم بتهمة الاشتراك والمساعدة في الابتزاز والإيذاء النفسي العمدي.
ثالثاً: التحفظ على أموال ريم الألفي وتجميد حساباتها وإحالتها للنيابة العامة بتهمة الاستيلاء على أموال المنحة العامة والتزوير.
رابعاً: إعطاء داليا مصطفى كافة حقوقها الملكية والفكرية وتعويض مالي قدره 5 ملايين جنيه تُسدد من المتهمين بالتضامن.
حين ضرب القاضي بمطرقته أعلن نهاية الجلسة، سقط حازم مغشياً عليه داخل القفص، بينما كانت ريم تصرخ ووالدها يحاول سحبها بعيداً عن المصورين الذين كانوا يلتقطون كل لحظة.
خرجت داليا من القاعة بثبات. وقف الصحفيون والإعلاميون حولها يسألونها:
“داليا! كلمة واحدة للجمهور بعد صدور الحكم التاريخي ده؟ إيه هو الرقم 100 بالنسبة لكِ؟”
وقفت داليا أمام الكاميرات، ونظرت بثقة إلى الشاشة وقالت:
“الرقم 100 لم يكن سجناً ولا انتقاماً قانونياً.. الرقم 100 كان تعافي كامل. استرداد حقوقي، وكرامتي، وحياتي اللي حاولوا يسرقوها. من النهاردة.. داليا مصطفى مش ضحية لحد، وبصمة الإبرة اللي في ذراعي بقت علامة بداية لنستحق بيه كل نجاح قادم.”
بينما كان حازم يُساق بالكلبشات إلى عربة الترحيلات متجهاً إلى السجن المركزي، رفعت داليا رأسها للسماء، وشعرت لأول مرة منذ ثلاث سنوات بنسيم الحرية والحقيقة، وعرفت أن القصة لم تنتهِ بالسجن، بل بدأت بإنشاء مؤسستها الخاصة لدعم وتأهيل ضحايا الابتزاز والإيذاء النفسي.
لم تنتهِ الحكاية عند أسوار السجن، بل فتحت أبواب جهنم على الجميع.
مرت ستة أشهر على صدور الأحكام. كان حازم يقبع في مظلمة سجن طرة، ارتداء البدلة الزرقاء أصبح واقعه اليومي، وكرامته التي طالما تباهى بها بين أصحابه سُحقت تحت أقدام السجناء ورجال الشرطة. أما شريف وكريم، فكانا ينفذان عقوبتهما في عنبر آخر، وتبادلا الشتائم واللكمات أكثر من مرة، محملين حازم مسؤولية ضياع مستقبلهما وشبابهما.
في تلك الأثناء، كانت داليا تعيش في عالم آخر تماماً. لم تستغل الخمسة ملايين جنيه كتعويض شخصي بل أسست بها “مؤسسة بصمة” لدعم وتأهيل ضحايا الابتزاز والإيذاء النفسي والتقني، وبفضل مهارتها في إدارة البيانات والمعلومات، أصبحت مؤسستها مقصداً للعديد من الفتيات والشباب الذين تعرضوا للاستغلال.
لكن ريم الألفي ووالدها لم يتقبلا الهزيمة بهذه السهولة.
على الرغم من تجميد أموال ريم وإحالتها للنيابة، استغل والدها رجل الأعمال نفوذه وعلاقاته القديمة ليضمن لخروج ابنتها بكفالة مالية ضخمة على ذمة القضية، مع منعها من السفر. كانت ريم تتآكل من الداخل، رؤيتها لـ “داليا” وهي تتصدر شاشات التلفزيون وتكرم في المؤتمرات كرمز للشجاعة والذكاء كانت تحرق قلبها بغل أشد من ليلة مسابقة الرقص.
في ليلة باردة من ليالي الشتاء، جلست ريم مع والدها في فيلتهم المغلقة، والشرار يتطاير من عينيها:
“بابا.. أنا مش هسيب داليا تعيش مبسوطة وأنا مستقبلي بيدمر وسري بيلف على المواقع! لازم نكسرها، لازم تدفع التمن!”
رد والدها بنبرة مظلمة: “حازم في السجن وشلته اتفضحوا، والأوراق اللي مع داليا ماسكانا من رقبتنا.. أي حركة غير محسوبة هتدخلنا السجن مع حازم.”
ابتسمت ريم ابتسامة : “مين قال إننا هنعمل حركة علنية؟ حازم وهو في السجن مستعد يبيع أبوه عشان يخرج أو يتخفف عنه الحكم.. إحنا هنلعب على نقطة ضعفه ونخليه يخلص لنا الموضوع بيده من جوه السجن!”
باستخدام نفوذ والدها، تم ترتيب زيارة استثنائية وسرية لحازم في السجن.



