
الخط اتقفل، وبعدها بثوانٍ جالي رسالة فيها عنوان بيت قديم في منطقة هادئة جداً.
قلبي كان بيدق بجنون. الساعات اللي بعدها كانت أطول ساعات في حياتي. جوزي كان بيكلمني عادي خالص، طول الوقت ده وهو ولا على باله إن القناع اللي كان لابسه عشرين سنة اتقطع وتكشف. كنت ببصله وأنا حاسة ببركان جواه، إزاي الإنسان يقدر يكذب الكذبة دي كلها ويعيش بيها عادي؟ إزاي يكدب في أسخف وأطهر تفاصيل حياتنا؟
تاني يوم، استغفلت جوزي ونزلت كأني رايحة أشتري شوية حاجات للبيت. ركبت العربية وساقت بيا أفكاري لحد ما وصلت للعنوان المطلوب. كان بيت قديم، بابه الخشبي مقشر، والتراب مالك المكان. طلعت السلم العتيق وقلبي بيخبط في ضلوعي كأنه طائر محبوس.
وقفت قدام الشقة وخبط خبطات خفيفة.
الباب اتفتح ببطء، وطلت منه ست في العقد الخامس من عمرها. أول ما عينها وقعت عليّا، جسمها كله اتقبض، وعيونها لمعت بالدموع. الملامح هي هي… نفس عيون الست اللي على صدر جوزي، نفس الرقة، بس السنين سابت علامتها بحزن عميق مالوش نهاية.
دخلتني بهدوء وقعدتني في صالة صغيرة ومرتبة بس بسيطة جداً. مدت إيديها بكوباية ميه، وقالت بصوت دافئ:
— اشربي يا بنتي… أنا عارفة إن الصدمة كبيرة، وربنا يكون في عونك على اللي هسمعهولك.
حطيت كوباية الميه من إيدي من غير ما أشرب منها، وبصتلها بغضب مكتوم:
— سيبك من الميه، وقولي بسرعة… مين إنتِ؟ وإيه علاقتك بجوزي؟ وإزاي بنتي تبقي بنتك؟ فهّمييني حالًا قبل ما أجنن!
تنفسعت الست بعمق، وبصت للأرض كأنها بتستحضر ذكريات مؤلمة بقالها سنين طويلة مركونة في الضلمة، وقالت:
— الحكاية تبدأ من قبل ما تتجوزي جوزك بخمس سنين كاملة. كنت أنا شابة صغيرة، وجوزك –اللي كان اسمه وسام وقتها لسه شاب في العشرين من عمره– كان شغال رسام ومصمم جرافيك مبتدئ، وكان بيتردد على الورشة الفنية اللي كنت بشتغل فيها. تعارفنا وحبينا بعض بصدق.. حب بريء وصادق. حب خلّاه في يوم من الأيام يطلبني للجواز.
سكتت شوية تبل ريقها اللي نشف، وكملت:
— وسام كان بيحبني لدرجة الجنون، لدرجة إنه في فترة من الفترات راح رسم وشي على صدره، فوق قلبه بالظبط، كعهد بينا إنه مش هيحب ولا هيتخلى عني أبدًا. وورا ودني رسم الوردة اللي كنت بحبها. لكن للأسف، أهلي رفضوه تمامًا. شافوا إنه لسه في بدايه طريقه ومش جاهز لفتح بيت، وفضلوا ضاغطين عليّا لحد ما جوزوني شخص تاني غصب عني، شخص مكنتش بحبه ولا طايقة أعيش معاه.
— طيب وبنتي؟! إيه علاقة بنتي باللي بتقوليه ده كله؟! — قاطعتها بصوت حاد ودموعي على خدودي.
رفعت راسها وبصت في عيوني وقالت بوجع:
— بعد ما اتجوزت الشخص ده، عشت أسوأ أيام حياتي. وجوزك اتجنن من الغيرة والقهر، وسافر لفترة طويلة عشان ينسى الصدمة. بس أنا اكتشفت إني حامل في الشهر الأولاني بعد جوازي بالغصب.. حملت من وسام، مش من جوزي الحالي! لما عرفت، حسيت إنها طوق نجاة، بس في نفس الوقت كارثة هتدمر الكل. وسام كان سافر ومكنش عارف حاجة. لما ولدت بنتي… جوزي (اللي اتجوزني غصب) اتجنن لما عرف إن الطفلة مش بنته، وحلف إنه هيقتلها وهي لسه رضيعة لو فضلت قدام عينه يوم واحد. كنت مرعوبة، مكنش قدامي أي حل ولا أي حد ألتجئ له في الدنيا دي غير شخص واحد بس… وسام، اللي كان لسه راجع من سفره وعرف بالصدفة إني ولدت وإن الطفلة دي تبقى بنته!
حسيت إن الهوا بيقل حواليا، وطلعت الكلمات بصعوبة:
— وسام… هو اللي خدها منك؟
— وسام جالي في نص الليل، وأنا كنت منهارة وخايفة على الطفلة من جوزي اللي كان متوحش. وسام قال لي: “أنا هخدها، هربيها بعيد عن هنا، هحميني وهحمي بنتي بقلبي وروحي، ومحدش في الدنيا هيعرف إنها مش بنتي الطبيعية”. قلت له: “ازاي؟ وأنا هموت من القهر عليها؟” قال لي: “عشان تعيشي في امان، وعشان الطفلة تعيش حياة طبيعية، اعتبريها ماتت.. وأنا هسافر بيها مكان محدش يوصلنا فيه، ولما تتربى هكون لها الأب اللي بتحلم بيه”. أخدها في حضنه، ولفها في البطانية دي… ونزل جري في الليل المظلم. ومن يومها… لا شفت بنتي، ولا سمعت عنه حرف واحد، لحد ما إنتِ اتصلت بيا إمبارح!
قعدت باصة للست دي، وكل الكلام اتجمد في لساني. يعني جوزي مكنش كدّاب وبس… ده كان مجرم، سرق طفلة من أمها الحقيقية! بس الأكبر من كده، هو ليه عمل كل ده؟ وليه قال لي إننا متبنيين البنت وإحنا كنا بنلف على الدكاترة سنين عشان نخلف، وهو عارف من البداية إننا ما نقدرش نخلف طبيعي أصلاً؟!
قبل ما أنطق بحرف واحد، سمعت صوت باب الشقة بيفتح بعنف، وصوت خطوات تقيلة بتجري على السلم، وفجأة… باب الصالة اتفتح على وسعره، وظهر جوزي واقف وقدام عيونه الشر والانهيار، وهو بيبص لينا الاتنين وقال بصوت مرعب:
— إنتِ جيتِ هنا إزاي؟ وليه فتحتي الباب ده؟!



