روايات وقصص

حكايات اسما السيد 3

العيلة ما اتفككتش النهاردة يا طارق.. العيلة دي كانت مفكوكة ومسوسة من زمان، بس الكذب كان الدهان اللي مغطي العفن. أنا أسفة ليك أنت بالذات.. أنت الوحيد اللي كنت نظيف فيهم.

طارق رد بنبرة امتنان:

أنتِ ما تعتذريش يا نور.. أنتِ جيتي عشان تنضفي البيت ده وتفتحي شبابيكه للشمس، حتى لو الشمس دي حرت كل الأقنعة. محاميكي يتواصل معايا بكرة، وكل حقوقك والمؤخر والتعويض اللي تطلبيه هيوصلك لحد عندك بزيادة.. ده أقل حق ليكي علينا.

بعد أسبوعين..

كنت واقفة قدام مكاتب التوثيق والشهر العقاري. الشمس كانت طالعة ودافية، وهواء النيل بيلف حواليّا.

أحمد كان واقف قدامي.. وشه خاسس للنص، عينيه انطفت تمامًا، مفيش في وشه أي أثر للغرور أو الهيبة أو التكبر اللي كان بيتعامل بيه معايا. كان يرتدي هدوم بسيطة جداً، وواقف بين أمه اللي كبرت عشر سنين في أسبوعين وعينيها مكسورة في الأرض ومحدش من العيلة بيسلم عليها.

المأذون خلص الإجراءات، ورفع راسه وقال الكلمة اللي كنت مستنياها من تلات سنين:

“أنتِ طالق يا نور.. ربنا يعوضك خير.”

أحمد بصلي لأول مرة من يوم الليلة دي، صوته كان حشرجة ضعيقة:

نور.. سامحيني.. أنا كنت أضعف من إني أقف قدامهم.. أنا أكلت حقي وحقك ورضيت بالظلم عشان كنت خايف أضيع.. وأهو ضعت في الآخر.

بصيت له بمنتهى الهدوء.. مابقاش جوايا كره ليه، ولا غل، ولا حقد. الكره بيحتاج مشاعر، وأنا مشاعري ناحية أحمد والعيلة دي ماتت وتم دفنها في الليلة دي.

قلت له وأنا بأعدل شنطتي على كتفي:

أنا سامحتك عشان أريح نفسي أنا يا أحمد.. مش عشان أنت تستاهل. أنت اخترت تعيش في كذبة وتدفعني أنا ثمنها، والدنيا ردت لك دينك. ربنا يهديك وتبدأ حياتك على نظافة المرة دي.. من غير أقنعة ومن غير ألقاب مزيفة.

سبتهم ومشيت.. ما بصلتش ورايا ولا خطوة واحدة.

وأنا ماشية في الشارع، حسيت لأول مرة من سنين إن خطواتي خفيفة، إن صدري واسع وبياخد أكسجين صافي.. خرجت من بيت “العيلة الكبيرة” وأنا مرفوعة الراس، بكرامتي وبحقي وبحريتي. عرفت إن الحق ممكن يتأخر، والتلميحات والإهانات ممكن توجع، بس في النهاية.. مفيش جدار مبني على باطل بيصمد قدام كلمة حقيقة واحدة!

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى