روايات وقصص

حكايات اسما السيد 3

قلت بصوت عالي ومسموع للكل:

أنا حقي الأدبي والنفسي أخدته الليلة دي قدام العيلة كلها. والورق الرسمي للطلاق هيكون عند محامي أحمد بكرة الصبح.. بشروطي أنا، وبكل حقوقي بالقانون.

لفيت وشي وجيت أتحرك ناحية الباب، لكن عم جوزي وقفني وصوته كان مكسور ومحرج:

نور يا بنتي.. أنا بعتذر لك نيابة عن العيلة كلها.. إحنا ظلمناكي، وسيبناهم يبهدلوكي وأنا كنت عمى ومش شايف.

بصيت لعم حسام وقلت له بابتسامة هادية:

الاعتذار متأخر أوي يا عمي.. بس الحقيقة دايماً بتعرف طريقها، حتى لو استخبت سنين.

مسكت أكرة الباب وفتحته.. الهواء النقي بتاع برة ضرب في وشي، ولأول مرة من تلات سنين، حسيت إن الرئة بتاعتي لاتملت هواء حقيقي.

لكن قبل ما أعدي العتبة.. سمعت صوت صرخة مكتومة من جوة الصالة، وصوت حاجة ثقيلة بقعت على الأرض، ووراها صوت طارق بيزعق بانهيار:

بابا! الحقني يا بابا! أحمد!!

التفتّ بسرعة ناحية الباب، وقلبي اتنفض رغم كل الجمود اللي كنت حاسة بيه.

الصورة جوة الصالة كانت مرعبة؛ أحمد كان واقع على السجادة بين الكراسي، وشه شاحب زي العضم، وشفايفه أزرقّت في ثواني، وإيده ماسكة في صدره بقوة وهو بيجاهد عشان ياخد أجهزة تنفس، وعينيه مفتوحة على وسعها بتبص للسقف بذهول.

طارق كان نزل على ركبه جنبه وبيحاول يرفع راسه وهو بيصرخ بانهيار:

أحمد! أحمد رد عليا! افتح عينك يا أحمد!

حماتي صرخت صرخة شقت سكون الليل، صرخة أم بتشوف ابنها الوحيد بيموت قدام عينها، جرت عليه وهي بتزحف على الأرض وبتخبط على صدرها بانهيار هيستيري:

ابنك يا حسام! الحفيد يا حسام بيموت! اطلبوا الإسعاف يا ناس! الحقوا ابني يا ساتر يا رب!

عم جوزي اتلجم مكانه للحظة من صدمة المنظر، وبعدين صرخ في طارق وهو بيترعش:

اطلب الإسعاف فورًا يا طارق! شيله معايا على العربية نطلع بيه على أقرب مستشفى! السرعة يا بني!

البيت اللي كان من شوية ساحة حرب وتصفية حسابات ومؤامرات، تحول في ثواني لخلية نمل مرعوبة. طارق وعم حسام شالوا أحمد بالعافية بين إيديهم، وطلبه بيه للشارع وأمه جرت وراهم وهي بتعيط وتصرخ وتدعي، وسعاد واقفة عند الباب بتتفرج برعب والدموع ناشفة في عينها وهي ماسكة بنتها، وسامح أخوها واقف مش عارف يهرب ولا يفضل.

أنا فضلت واقفة مكان عند عتبة الباب.. رجليا اتسمرت. النقمة اللي كانت جوايا والانتقام اللي كنت مستنياه تلات سنين اتخلط بشعور غريب بالشفقة والحرقة. أحمد ما كانش بس راجل ظالم وخاين للشرع وللأمانة؛ أحمد كان ضحية لمنظومة عائلية مريضة، منظومة كانت مستعدة تكسره وتكسر أي حد حواليه عشان بس تحتفظ بصورة “العيلة المثالية” قدام الناس.

العربيات طلعت بتفرمل لبرة والسرعة جنونية، والصوت بدأ يبعد تدريجيًا لحد ما المكان بقى فاضي تمامًا، وما فضلش غير صوت ريح الخريف الخفيفة وصوت بكاء البنت الصغيرة في الصالة.

مشيت من الفيلا.. مشيت وأنا مش ببتسم، ولا حاسة بالنصر اللي كنت متخيلاني هحس بيه. مشيت وأنا حاسة إن القفص الحديدي اللي كنت محبوسة فيه تلات سنين اتكسر، بس الشظايا بتاعته جرحت الكل.

عدت 48 ساعة.. أطول 48 ساعة في حياة العيلة دي.

كنت قاعدة في شقتي الصغيرة اللي استأجرتها بعيد عنهم تمامًا، الشقة اللي رجعت فيها لنفسي ولأهلي اللي كانوا مسنودين ومرفوعين الراس بعد ما الحقيقة ظهرت. التليفون رن.. كان طارق.

رديت بهدوء:

أيوة يا طارق..

صوت طارق كان طالع بتعب وانكسار عمري ما سمعته منه:

نور.. أحمد أخد أزمة قلبية حادة بسبب الضغط العالي والصدمة.. الدكاترة قدروا يلحقوه في آخر لحظة، وهو حاليًا في العناية المركزة، بس الدكاترة قالوا إن حالته استقرت.

تنهدت وقلت:

الحمد لله على سلامته..

طارق سكت شوية، وبعدين كمل بنبرة تقيلة:

التحاليل طلعت يا نور.. التقرير الرسمي من المعمل وصل النهاردة الصبح.

قلبي دق بانتظام وقسوة، وقلت:

وطلع إيه؟

طارق أخد نفس عميق، وصوته كان بيرتعش وهو بيكشف المستور اللي هد العيلة رسمياً:

البنت الصغيرة.. طلعت مش بنتك يا عمي حسام.. DNA بيأكد إن ملهاش أي صلة بيه.. وسعاد اعترفت بكل حاجة وهي محبوسة في أوضتها دلوقتي مستنية ورقة طلاقها وطردها من العيلة.

وسكت طارق..

سألته:

وأحمد؟

رد طارق وهو بيغطي وشه بإيده، وصوته مخنوق بالدموع:

أحمد.. التحليل أثبت إنه مش ابن بابا الله يرحمه.. طلع ملوش أي علاقة بعيلة العطار.. طنط كوثر اعترفت تحت ضغط عمي حسام والأوراق.. اتجوزت رجل تاني في السر زمان لما عرفت إن جوزها مابينجبش، وعملت كده عشان تضمن الورث والجاه وتعيش ملكة.. أحمد مطلعش “أكبر حفيد”.. أحمد طلع الغريب الوحيد في البيت ده.

غمضت عيني.. الحقيقة لما بتنكشف بتبقى زي المشرط، بتقطع وتطهر في نفس الوقت.

طارق كمل:

عمي حسام صادر كل أملاك طنط كوثر وأحمد، والشركات والمصانع رجعت بالكامل لحساب عمي وليا.. أحمد لما يخرج من المستشفى ملوش أي حتة يروحها ولا قرش باسمه.. وأمي سعاد أترمت برة البيت هي وأخوها سامح، والبنت الصغيرة أترمت لأهل سعاد يربوها. العيلة اتفككت يا نور.. المعبد وقع على دماغ اللي بنوه.

قلت له بهدوء وثبات:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى