عام

طلبت من حماتي 40 ألف جنيه2

“أمي… اهدي خالص. مسافة الطريق وهنكون عند أبويا في القسم.” منى قفلت السكة وبصت لكريم: “يلا يا كريم.”
الحاجة نادية شالت عصايتها وقامت وقفت بقوة يندر تشوفها في سنها: “مش أنتم بس اللي هتروحوا… أنا طالعة معاكم. جه الوقت اللي عماد يفهم فيه إن الحاجة نادية ماتت بالنسبة له، وأنتم عيلتي الحقيقية.”
وصلوا قسم الشرطة بعد نص ساعة. الجو جوة كان مشحون، عم سعيد واقف عند المكتب، هدمته بسيطة، وعينيه فيها انكسار الراجل الشريف اللي عمره ما دخل مركز شرطة في حياته. وجنبه واقف عماد، لابس نظارة شمسية، ومعاه محامي ماسك سجارة وبيبتسم بثقة، وصاحب العربية الفارهة واقف يجعجع .
أول ما عماد شاف منى وكريم والحاجة نادية داخلين، الابتسامة الصفرا رجعت على وشه:

“أهلاً بالحبايب… إيه ده؟ جايين تساندوا عم سعيد؟ معلش بقى، القانون قانون. راجل كبير يسوق ميكروباص ويخبط عربية ثمنها 3 ملايين جنيه ويهرب؟ دي فيها حبس وتعويض يكسر الضهر.”
عم سعيد بص لمنى بدموع: “والله يا بنتي ما جيت جنبها! أنا كنت واقف في الموقف ب حمل ركاب، لقيت العربية دي وقفت جنب الميكروباص وفجأة صاحبها نزل يصرخ ويقول إني حكيتها!”

منى قربت من أبوها، باست إيده ورأسه قدام الكل: “عارفة يا بابا… ومصدقاك، وحقك ورأسك مرفوعة فوق الكل.”
الظابط خرج من مكتبه، بص للجميع وقال بتعب: “إيه الخناقة دي؟ يا جماعة المحضر اتكتب، وفيه أضرار في العربية، وصاحبها يطالب بتعويض فوراً أو المحضر يتعرض على النيابة بكرة الصبح والأستاذ يتحدد إقامته.”
محامي عماد اتكلم بخبث: “إحنا ناس بتوع خير يا فندم… وممكن نتنازل عن المحضر دلوقتي، لو حصل ‘اتفاق ودي’ بين العيلتين يضمن حقوق موكلي في المسائل العائلية التانية.”
كريم كان حايس نفسه بالعافية، لكن منى مشت خطوات ووقفت بين محامي عماد وعماد نفسه. وطلعت موبايلها.
منى بصت للظابط بثبات: “يا حضرة الظابط… البلاغ ده بلاغ كاذب وتلفيق، وأنا معايا الدليل اللي يدخل الباشا ده وشاهده

عماد ضحك بصوت عالٍ: “دليل إيه يا شاطرة؟ أنتِ لحقتي؟”
منى شغلت فيديو على الموبايل ورفعته في وش الظابط وعماد. الفيديو كان كاميرا مراقبة مأخوذة من محل سوبر ماركت شهير في أول الموقف، ظاهر فيه الميكروباص بتاع عم سعيد واقف تماماً، وتيجي العربية الفارهة تقف جنبه بالراحة، وينزل سواقها يمسك مسمار ويحك جوانب العربية بنفسه، وعماد واقف على الرصيف بيراقبه ويشاور له!
عماد وشه اتخطف وبقى لون التراب. المحامي بتاعه حط السجارة في الطفاية وأخد خطوة لورا.
منى اتكلمت بصوت هز جدران القسم: “أول ما أمي قالتلي الموقف، افتكرت إن محل حاج مصطفى فاتح كاميرات على الشارع كله. كلمت ابنه في السكة وبعتلي التفريغ في 5 دقايق! الميكروباص ما تحركش من مكانه يا حضرة الظابط… لكن الباشا جاي ينصب في القسم!”

الظابط ملامح وشه تحولت تماماً للغضب الشديد، بص لعماد ولصاحب العربية: “إيه الكلام ده؟ بتعملوا شوية عيال وتلعبوا بالقانون في قسمي؟”
الحاجة نادية اتخطت الكل، ووقفت قدام عماد، بعصايتها على الأرض قوية وقالت بصوت يقطع القلب:
“حدودك خلصت لحد هنا يا عماد… كنت فاكر إنك بتلعب مع بنت غلبانة؟ منى دي أجدع منك ومن

اللي خلفوك! وأنا النهاردة جاي أردلك كل اللي عملته زمان والنهاردة.”
الحاجة نادية طلعت من شنطتها ظرف أصفر كبير ورمته على مكتب الظابط:
“يا حضرة الظابط… ده بلاغ رسمي مني بصفتي رئيس مجلس إدارة شركات العطار، ضد ابن عماد، بجرائم اختلاس وتزوير أوراق رسمية واستغلال توكيلات ملغاة. وده كشف الحساب الأصلي اللي بيهرّب منه فلوس لحسابات برة مصر. أنا صبرت عليك سنين عشان أنت ابني من بطني… بس لما تتعدى على ناس شرفاء عشان ، تبقى ما تلزمنيش!”
عماد ركبه خبطت في بعضها، وبص لأمه بذهول ورعب حقيقي: “أمي… أنتِ بتبلغي عن ابنك؟ عشان دول؟”

الحاجة نادية بصت له بعيون جافة تماماً من الشفقة: “أنت مش ابني… أنت الشيطان اللي كان بياكل في العيلة. ابن حلال وبنت أصول يعوضوني عنك وعن سنين الفقر اللي عشتها وأنا معاك.”
الظابط بص لأفراد الشرطة وقال بحزم: “تحفظوا على الأستاذ عماد وصاحب العربية والمحامي… وتفتحوا محضر جديد بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب والبلاغ اللي أقدمت عليه الحاجة!”
عم سعيد أخد نفسه ودموعه نزلت، كريم حضن حماه بقوة، ومنى وقفت جنب الحاجة نادية وسندتها وهي بترتعش من التأثر.

عماد وهو بيتسحب للداخل عشان يتحفظ عليه، بص لمنى بنظرة غل نهائية وقال بصوت واطي ومخيف:
“فاكرة إنك كده أخدتِ كل حاجة يا منى؟… افتحي تليفون كريم الشات القديم… وشوفي الحقيقة اللي كريم نفسه ما يعرفهاش عن ‘أمه’ الحاجة نادية!”

الكلمات الأخيرة اللي رمى بها عماد وهو بيتسحب لداخل القسم نزلت زي الصاعقة على دماغ كل الواقفين. منى بصت لكريم، وكريم كان باصص لأمه بتعجب وحيرة، والحاجة نادية غمضت عينيها أخدت نفس طويل، كأنها كانت متوقعة السهم الأخير ده يخرج في أي لحظة.
خرجوا كل المحتجزين مظلومين من القسم: عم سعيد مرتاح ورافع راسه، وأم منى بتبكي من الفرحة وبتدعي لمنى والحاجة نادية.
لما وصلوا البيت، الجو كان ساكت بشكل غريب. كريم مشي ناحية الترابيزة، مسك موبايله القديم اللي كان مركون في الدرج من سنين، وشحنه وفتحه. إيديه كانت بترتعش وهو بيدور في الشات القديم اللي بينه وبين أمه من فترة ما قبل الجواز.
منى كانت واقفة جنبه، والحاجة نادية قعدت على الكرسي بثبات، وقالت بصوت هادي:
“افتح يا كريم… افتح الشات وما تخافش. ما فيش سر هيعيش في الضلمة أكتر من كدة.”
كريم فتح الرسائل الصوتية القديمة، ووقع إيده على تسجيل صوي تاريخه يرجع لأسبوع واحد بس ق

بل ما يتجوز منى… نفس التسجيل اللي عماد كان يقصده!
شغل كريم التسجيل، وخرج صوت الحاجة نادية من التليفون:
“يا كريم يا ابني… أنا شفت البنت اللي اخترتها، وعرفت أصلها وفصلها. وعرفت إن أبوها سواق ميكروباص راجل شريف، وأمها خياطة. أنا مش رافضة الجوازة يا كريم، بس أنا مرعوبة عليك من عماد أخوك. عماد لو عرف إنك اتجوزت واحدة مالهاش عيلة كبيرة تحميها، هيستغلها ويعملها كارت ضغط عليك. عشان كدة أنا هعمل الخطة دي… هبان قدامها جافة ورسمية، وهخليك تشيل قسط وهمي، وهطلب منك تنقل ملكية الشقة والأسهم باسمها سرًا من غير ما هي تعرف ولا عماد يعرف. لو منى استحملت الـ 3 سنين دول وعاشت معاك بلقمتك الحلال من غير ما تشتكي ولا تطمع، تبقى هي الست اللي هتقف قدام عماد وتكسره يوم ما يخرج، لأن عماد هيشوفها ضعيفة… وفي اللحظة اللي يفتكر إنه بيستغل ضعفها، هتكون هي السيف اللي يقطعه.”

التسجيل خلص.
كان فيه صوت تاني في نفس التسجيل… صوت الحاجة نادية وهي بتبكي وبتقول لكريم في نهاية الرسالة الصوتية:
“أنا يا كريم مش بس بختبر منى… أنا بختبر نفسي. أنا خايفة أكون ظلمت البنت دي من غير ذنب، بس أنا بدعي ربنا كل ليلة إنها تطلع زي ما تمنيت، عشان أديها عمري كله عوض عن الـ 3 سنين دول.”
الدموع نزلت من عين كريم وهو بيسمع الرسالة. فهم كل حاجة… فهم إن أمه ما كانتش بتلعب لعبة قاسية لغرض اختبار طمع وخلاص، أمه كانت بتصنع حماية قانونية ونفسية ودفاعية معقدة جداً لحماية بيته من أخوه ، وفي نفس الوقت كانت بتضمن إن البنت اللي هتدخل العيلة تكون أصلها صلب زي الألمظ.
منى بصت للحاجة نادية، ودموعها نازلة على وشها. قربت منها، وجثت على ركبتها قدامها، ومسكت إيديها التنين وبستهم:
“أنتِ مش بس حماتي يا حاجة نادية… أنتِ أمي اللي حمتني وحمت جوزي من غير ما أعرف. أنا أسفة إن الشك دخل قلبي في يوم من الأيام.”

الحاجة نادية نزلت لمنى وحضنتها بكل قوة، ومسحت دموعها بإيديها:
“أنا اللي كسبت يا منى… أنا اللي بقيت بفتخر إن عندي بنت زيّك. الفلوس والشقة والأرباح دول ولا حاجة جنب إنك وقفتِ النهاردة في القسم ورديتِ حقي وحق أبوكِ بكرامة وعزة نفس.”
بعد الشهر ده، كل حاجة تغيرت.
عماد أخد جزاءه في القضايا اللي اتفتحت عليه، وبقى ورا القضبان للسنوات القادمة القديمة والجديدة.
وعم سعيد، أبو منى، الحاجة نادية اشترت له ميكروباص جديد أحدث موديل وكتبته باسمه كهدية ورسالة شكر على تربيته لمنى، وحفل كبير اتعمل في المنطقة الشعبية بمناسبة تبرئة عم سعيد، وقفت فيه الحاجة نادية جنب أم منى والخياطة البسطاء كأنهم عيلة واحدة.

أما منى وكريم… فبدأوا حياتهم الحقيقية من غير أقساط وهمية، ومن غير خوف من المستقبل. الـ 400 ألف جنيه كانوا بداية لمشروع جديد إدارته منى بنفسها في شركة العيلة، وبقت الكلمة الأولى والأخيرة في إدارة الأمور لمنى، الست اللي بدأت قصتها برسالة من موبايل جوزها، وانتهت بإنها بقت السند والأصل الحقيقي لكل العيلة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى