
الست العجوز ما ردتش لكنها طلعت من جيبها ورقة صغيرة ومدتهالي. فتحت الورقة ولقيت مكتوب فيها عنوان في منطقة تانية من القاهرة، وتحت العنوان جملة واحدة: “لو عايزة تشوفي بنتك لازم تروحي لوحدك وماتقوليش لحسام إنك عرفتي الحقيقة”.
أول ما قرأت اسم حسام حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. جوزي السابق هو آخر شخص كنت أتوقع إن يكون له علاقة باختفاء بنتي. رفعت عيني بسرعة عشان أسأل الست العجوز لكن اتفاجئت إنها اختفت من قدامي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
فضلت واقفة في الشارع ماسكة الورقة والأسورة وأنا مش عارفة أصدق اللي حصل. هل بنتي عايشة فعلًا؟ وليه الست العجوز حذرتني من حسام بالذات؟ وإيه السر اللي مخبيه عني من يوم ما طلقني؟
رجعت البيت وأنا مصممة أعرف الحقيقة مهما كان تمنها. وفي نص الليل خرجت من غير ما أقول لحد وركبت أول تاكسي للعنوان المكتوب في الورقة. لما وصلت لقيت نفسي قدام عمارة قديمة في منطقة هادية وكل الشبابيك ضلمة ما عدا شباك واحد في الدور التاني كان فيه نور خافت.
طلعت السلم واحدة واحدة لحد ما وصلت للشقة المطلوبة، وقبل ما أخبط سمعت صوت بنت بتغني نفس الأغنية اللي كنت بغنيهالها وهي صغيرة. حطيت إيدي على بقي عشان أكتم صرختي، دي أغنية جنى المفضلة!
خبطت على الباب بهدوء. وفجأة الصوت وقف. سمعت خطوات صغيرة بتقرب من الناحية التانية للباب وبعدها صوت بنت قالت:
— مين؟
حاولت أتكلم لكن صوتي خانني، وقلت بصعوبة:
— أنا أمك يا جنى.
ساد الصمت لثواني طويلة وبعدها سمعت صوتها وهي بتعيط وبتقول:
— ماما! إنتي جيتي أخيرًا!
مديت إيدي ناحية الباب لكن قبل ما أقدر أفتحه سمعت صوت راجل جاي من جوه الشقة بيصرخ:
#الكاتب_رومانى_مكرم
— جنى ارجعي جوه حالًا!
الصوت ده خلاني أتجمد مكاني لأني عرفته كويس جدًا.. كان صوت حسام!
يا ترى حسام كان مخبي بنتي في الشقة دي ليه؟ وهل جنى هتقدر تخرج لحضني بعد خمس سنين من الغياب ولا لسه فيه سر أخطر مستنيني ورا الباب؟
حسيت إن روحي بتتسحب من جسمي وأنا سامعة صوت حسام وهو بيزعق لجنى جوة الشقة. الكلمات كانت زي الصاعقة اللي نزلت على دماغي. حسام؟ جوزي السابق اللي رمى عليّ طوق النجاة الممزق وطلقني واتهموني بالإهمال وبكى في التحقيقات… هو نفسه اللي كان خاطف بنتي ومخبيها كل السنين دي؟
الدم وقف في عروقي، ورجلي ما بقتش شايلاني. لقيت نفسي بهجم على الباب وبضربه بإيدي الاتنين وبصرخ بصوت مرتعش:
— افتح يا حسام! دي بنتي! فين بنتي؟! افتح الباب حالًا!
صوت الخبط بتاعي كان بيتردد في السلم المظلم كأنه طلقات رصاص. ورا الباب، سمعت صوت جنى بتصرخ وتبكي بحرقة:
— ماما! سيبيني أفتح لماما يا بابا! والنبي افتح لها!
وفجأة الباب اتفتح بعنف. ظهر حسام قدامي. ملامحه كانت متغيرة تماماً، عينيه حمرا وغضبانة، وشعره منكوش. بص لي بنظرة كلها كره وقسوة، وقال بصوت واطي ومرعب:
— إيه اللي جابك هنا يا أميرة؟ مين دلك على المكان ده؟ إنتي بوظتي كل حاجة!
حاولت أزقه بإيدي وأدخل الشقة وأنا بصرخ:
— ابعد عني! ابعد عن بنتي! خمس سنين! خمس سنين وأنا بموت كل يوم وأنت بايسني وبتواسينا وأنت اللي واخدها وراحت فين؟ عملت فيها كده ليه؟ دي بنتك!
حسام شدني من دراعي بقوة ودخلني جوة الشقة وقفل الباب بالمفتاح بسرعة وصرخ في وشي:
— وطي صوتك أحسن ليكي! إنتي فاكرة الموضوع لعبة؟ إنتي مش فاهمة أي حاجة ولا تعرفي إيه اللي بيحصل!
في اللحظة دي، جرت جنى من جوة وراحت ماسكة في عبايتي وهي بتعيط بصوت عالي ومنهارة:
— ماما! تعالي خديني من هنا.. بابا كان قافل عليّ الأوضة دي علطول ومكنش بيخليني أكلم حد ولا أنزل الشارع.. أنا كنت خايفة أوي!
نزلت لمستوى جنى وحضنتها بقوة كأنه خيط الحياة الوحيد اللي رجعلي. عيطت بوجع وضميتها لصدري لدرجة إني كنت حاسة بنبضات قلبها السريعة اللي كانت بتترعش من الخوف. بوست راسها وإيديها وأنا بقول بصوت مبحوح:
— خلاص يا حبيبتي.. متخافيش.. ماما جيلك.. مش هسيبك تاني أبدًا.. مستحيل أسيبك!
رفعت عيني ناحية حسام اللي كان واقف بيتنفس بسرعة وعينيه بتلف في الشقة كأنه بيفكر في مخرج أو كارثة جديدة. وقفت قدامه وأنا شايلة جنى ورا ظهري، وكلمته بصوت كله غضب وثبات غريب:
— انطق يا حسام.. فهمني ليه؟ عملت في بنتك وفينا كده ليه؟ ده أنا كنت ببيع هدومي عشان أدور عليها! كنت بتنام جنبي كل ليلة وأنت عارف هي فين؟! إنت إيه؟
حسام مسح وجهه بايديه الاتنين بعصبية، وقعد على كرسي قديم في الصالة، وبص للأرض بصمت لفترة كأنه بيجمع شتات أفكاره، وبعدين رفع عينه وقال بصوت كله قهر:
— افتكري.. أنا اللي عملت كده عشان أحميها.. مش عشان أأذيها.
سمعت الجملة دي وحسيت إن دماغي هتنفجر. ضحكت بصوت عالي مليان سخرية ومرارة وقلت:
— تحميها؟! تحميها بأنك تحبسها خمس سنين وتخليني أموت وأنا بدور عليها وتطلقني وتتجوز غيري؟ دي اسمها حماية؟!
— غبيّة! إنتي عمرك ما فهمتي حاجة! كمل حسام كلامه وهو بيوقف ويقرب مني بعصبية: — إنتي فاكرة إن جنى اختفت بالصدفة؟ إنتي فاكرة إن الشارع اللي كنا عايشين فيه كان أمان؟ في الليلة اللي جنى نزلت فيها تشتري الجبنة والمكرونة… أنا كنت مراقبتها من بعيد.. لقيت ناس تانية بتراقبها.. ناس أكبر وأخطأ بكتير من اللي تتخيلي!
سكتُّ للحظة، وحسيت بنبضات قلبي بطت. سألته بصوت مهتز:
— ناس مين؟ بتقول إيه أنت؟
تنفس حسام بعمق وقال:
— كنت متسلف فلوس كتير من عصابة تجارة آثار وغسيل أموال، ولما ما قدرتش أسدد، بدأوا يهددوني بأغلى ما عندي.. بنتي جنى! في اليوم ده، كان لازم آخدها وأخبيها في مكان بعيد ومحدش يعرفه نهائي، وكنت ناوي أول ما أخلص منهم أرجعها لحضنك.. بس الشغلانة كبرت والتهديدات بقت تطولني أنا كمان، واضطريت أتجوز داليا عشان أبعد الأنظار عني وعن حياتي القديمة، وكنت بصرف كل قرش بجييبه على أكل جنى ومصاريف الشقة دي.. إنتي فاكرة إني كنت عايش مرتاح؟! أنا كنت ميت أحياء زيكم بالظبط!
بصيت له وأنا مش مصدقة وداني. قلت له بصوت عالي:
— وسايبني خمس سنين أتذل وأموت قهر؟! كنت ممكن تقولي! كنت ممكن نحلها سوا بدل العذاب ده كله!
— لو كنت قلتلك، أول حد كانوا هيراقبوكي إنتي! — حسام صرخ في وجهي: — العصابة دي كانت مراقبة كل خطوة من خطواتنا، ولو كانوا حسّوا إنك تعرفي مكانها، كانوا قتلوا جنى قدام عينينا في ثانية! الست العجوز اللي قابلتيها في السوق دي… دي كانت واحدة من الجيران القدام اللي شافوني وأنا بجيب جنى هنا بالليل، وكانت بتستر عليّ وبترقبني، بس معرفش إيه اللي خليها تتكلم معاكي النهاردة وتديكي العنوان! شكلهم بدأوا يراقبوني أنا كمان، والوضع بقى خطر أوي!
قبل ما حسام يكمل كلامه، سمعنا صوت خبط جامد وقوي على باب الشقة البراني!
خبط عشوائي ومرعب، وبعدها سمعنا صوت راجل ضخم بيزعق من برة:
— افتح يا حسام! بنلعب مخبيين ولا إيه؟ عارفين إن البنت جوة.. افتح بالذوق بدل ما نكسر الباب على دماغكم كلكم!
جنى صرخت بخوف شديد وحضنتني أوي وهي بتترعش زي الورقة في الشتاء. حسام اتجنن وملامح وشي اتغيرت للرعب الكامل. طلع من جيبه مطواة صغيرة وفتحها بسرعة وهو بيقول بصوت مرعوب:
— شكلهم عرفوا مكان الشقة.. اللعبة خلصت يا أميرة!
بصيت للباب اللي كان بيترزع بقوة، وبصيت لبنتي اللي بين إيديا، وحسيت إن الليلة دي يا إما هنخرج منها أحياء يا إما نهايتنا كلنا جت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

