
وفي مرة كنت واقفة في المطبخ وركبي وجعاني من كتر الوقفة، فدخل أحمد وقاللي: يا أمي، السلم محتاج يتمسح، الجيران اشتكوا من التراب اللي عليه.
بصيتله باستغراب وقلتله: سلم إيه يا ابني؟ هو أنا بقيت مسؤولة عن سلم العمارة كمان؟.
ضحك وقال: يا ستي ما تكبريش الموضوع، كام درجة وهتخلصيهم وإنتي أصلًا قاعدة في البيت طول النهار.
الكلمة ضايقتني، بس ما حبيتش أعمل مشكلة. جبت الجردل والمساحة ونزلت أمسح السلم، رغم إن ركبي كانت بتوجعني مع كل درجة بطلعها وأنزلها.
ومن يومها، بقى مسح السلم شغلتي أنا كمان.
والغريب إن محدش بقى يسألني إذا كنت قادرة ولا لأ. كأن وجودي في البيت معناه إني لازم أفضل شغالة طول الوقت وإن أي لحظة أقعد فيها أرتاح تبقى تقصير مني.
حتى أحفادي اللي كنت بموت فيهم، اتعودوا إن تيته موجودة علشان تنفذ طلباتهم. الواحد فيهم ينادي من آخر الشقة: تيته هاتيلي مية! والتاني يقول: تيته فين التيشيرت بتاعي؟ ولو اتأخرت عليهم دقيقة يفضلوا يزعقوا وينادوا.
كنت ببص لهم وأفتكر أحمد وهو صغير، لما كنت أعلمه يقول من فضلك وشكرًا وأقول في سري: يا خسارة يا ابني، حتى الحاجات اللي ربيتك عليها نسيتها.
لكن وسط كل القهر ده، كان عندي سر كبير، سر محدش في البيت كله يعرف عنه أي حاجة.
من حوالي أسبوعين، كنت نازلة أخلص شوية ورق يخصني وعديت على مكتب محامي كان بيتابع موضوع قديم متعلق بميراث بعيد ليا. الموضوع ده كنت نسيته أصلًا وماكنتش متوقعة يطلع منه حاجه.
المحامي يومها طلب مني أقعد وطلع ملف كبير من درج مكتبه وقاللي: يا حاجة، عندي لحضرتك خبر مهم، بس عايزك تسمعيني للآخر.
قلبي اتقبض وقلتله: خير يا أستاذ، هو فيه مصيبة ولا إيه؟.
ابتسم وقال: بالعكس، ده خير كبير جدًا. الموضوع اللي كنا فاكرينه انتهى طلع فيه حق ليكي وبعد الإجراءات والمراجعات اتأكدنا إن نصيب حضرتك مبلغ كبير جدًا.
ولما قاللي الرقم، حسيت إن وداني بتوشوش وإن الكرسي اللي قاعدة عليه بيتحرك بيا.
ملايين الجنيهات!
فضلت أبصله وأنا مش قادرة أستوعب وسألته كذا مرة إذا كان متأكد وهو كل مرة يأكدلي إن الورق سليم وإن حقي ثابت.
خرجت من عنده وأنا حاسة إني ماشية في حلم. طول الطريق كنت بفكر في أحمد وعياله وفي الحاجات اللي ممكن أعملها بالفلوس دي.
أول حاجة جات في بالي إني أسدد أي ديون على ابني وأأمن مستقبل أحفادي وأحط مبلغ في البنك يفضل سند ليهم مهما حصل.
حتى فكرت أشتري شقة أوسع لأحمد وداليا وأفرحهم بمفاجأة عمرهم ما كانوا يتوقعوها.
لكن قررت ما أقولش لحد لحد ما كل الإجراءات تخلص والفلوس تبقى في إيدي فعلًا.
وخبيت الورق في شنطتي الصغيرة وفضلت كل يوم أفتحه وأبص عليه وأنا مش مصدقة إن ربنا بعد العمر ده كله رزقني بالخير ده.
كنت ساعات أقعد لوحدي وأتخيل وش أحمد لما أقوله وأضحك من الفرحة وأقول لنفسي: يا بختك يا أحمد، أمك هتفرحك فرحة عمرك.
لكن اللي حصل بعد كده خلاني أندم إني فكرت فيه أصلًا.
في الليلة دي، كان أحمد قاعد على السفرة مع مراته وعياله وأنا من الصبح واقفة على رجلي. عملت الغدا وغسلت الهدوم ونضفت الشقة وبعدها حضرت العشا وحطيته قدامهم.
كنت حاسة إن ضهري هيتقسم نصين وركبي بتوجعني لدرجة إني بقيت أمشي بالعافية.
قعدت على طرف الكرسي علشان آكل لقمتين ولسه ماسكة المعلقة، لقيت أحمد بيقول من غير حتى ما يبصلي: يا أمي، قومي امسحي السلم قبل ما تنامي، أصله مترب من الصبح.
بصيتله وقلتله بهدوء: حاضر يا ابني، بس خليني أرتاح شوية، أنا تعبانة النهاردة.
ما ردش وكمل أكل.
وبعد كام دقيقة، قال تاني: ما تنسيش السلم يا أمي.
قلتله: ما أنا قلتلك حاضر يا أحمد، بس رجلي مش شايالني والله.
داليا بصتلي من فوق لتحت وقالت ببرود: هو كل يوم هنسمع نفس الكلام؟! ده السلم لو اتساب يومين هيبقى زريبة.
حاولت أتماسك وقلت: يا بنتي أنا مش بقول مش همسحه، أنا بس تعبانة ومحتاجة أرتاح.
وفجأة أحمد حط المعلقة على الطبق بعصبية وبصلي قدام مراته وعياله وقال بصوت عالي: أومال إنتي قاعدة عندنا بتعملي إيه؟! فاكراني فاتحهلك لوكاندة؟!.
اتجمدت في مكاني.
حسيت كأن حد ضربني بالقلم قدام الناس كلها.
ابني؟! أحمد اللي شيلته في بطني تسع شهور واللي سهرت على تعبه واللي حرمت نفسي علشان أشوفه راجل، بيقولي أنا قاعدة عنده بعمل إيه؟!
أنا اللي كنت فاكرة إني في بيت ابني، طلعت في نظره مجرد واحدة قاعدة بتاكل وتشرب ببلاش!
بصيت لداليا، لقيتها مكملة أكل بمنتهى الهدوء وكأن اللي حصل ده حاجة عادية جدًا.
والعيال كانوا قاعدين بيتفرجوا علينا ولا واحد فيهم حتى استغرب إن أبوه بيكلم جدته بالطريقة دي.
حاولت أتكلم، أعاتبه، أقوله إني أمه وإن الكلام ده ما يصحش، لكن والله العظيم لساني اتربط.
كل اللي قدرت أعمله إني قمت من على الكرسي وشيلت طبقي وحطيته في الحوض وبعدها دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.
قعدت على طرف السرير وبصيت حواليا.
أوضة صغيرة، سرير ودولاب قديم وشنطة هدومي، ده كل اللي كان ليا في بيت ابني الكبير.
افتكرت شقتي القديمة وافتكرت جوزي الله يرحمه وافتكرت نفسي وأنا شابة بشقى علشان أربي أحمد.
وقتها دموعي نزلت غصب عني وفضلت أعيط من غير صوت.
مش علشان السلم ولا علشان التعب ولا حتى علشان كلمة لوكاندة.
كنت بعيط على ابني اللي ضاع مني وهو لسه عايش وعلى الحنية اللي اختفت من قلبه وعلى كرامتي اللي اتهانت في آخر عمري.




