
فضلت قاعدة كده وقت طويل، لحد ما عيني وقعت على شنطتي الصغيرة اللي فيها ورق الميراث.
مديت إيدي وطلعت الملف وفتحته وبصيت على الرقم المكتوب فيه.
ملايين الجنيهات.
مبلغ كان ممكن يغير حياة أحمد ومراته وعياله ويخليهم يعيشوا في نعيم طول عمرهم.
وفجأة، افتكرت كلامه وهو بيقولي: أومال إنتي قاعدة عندنا بتعملي إيه؟!.
ساعتها حسيت إن حاجة جوايا اتغيرت.
لأول مرة من تلات سنين، ما فكرتش أحمد محتاج إيه ولا داليا عايزة إيه ولا العيال ناقصهم إيه.
فكرت في نفسي.
في الست اللي عاشت عمرها كله بتدي ومش بتاخد واللي حتى لما ربنا رزقها بمبلغ كبير، أول حاجه فكرت فيها كانت راحة غيرها.
بصيت لصورة جوزي اللي كانت جنب السرير وقلتله بصوت واطي وأنا بعيط: شوفت ابنك عمل فيا إيه؟! أنا تعبت يا أبو أحمد، تعبت أوي ومبقاش فيا حيل أستحمل أكتر من كده.
مسحت دموعي وقمت فتحت الدولاب.
طلعت شنطة السفر القديمة وحطيتها على السرير وبدأت ألم هدومي واحدة واحدة.
بنطلونين، كام بلوزة، إسدال الصلاة وجزمتي القديمة.
خدت أدويتي وكارت التأمين الصحي وحطيت صورة جوزي وسط الهدوم وبعدها طلعت ورق الميراث وجواز سفري وحطيتهم في جيب مقفول جوه الشنطة.
وقفت لحظة وبصيت للأوضة وسألت نفسي: هو أنا فعلًا هقدر أمشي وأسيب ابني وعياله؟
لكن كل ما أتردد، أسمع صوته في ودني وهو بيقولي إني قاعدة عنده ببلاش.
استنيت لحد ما البيت كله هدي وسمعت صوت التليفزيون اتقفل وبعدها خطوات أحمد وداليا وهما داخلين أوضتهم.
عدت ساعة وبعدها ساعة تانية.
ولما اتأكدت إن الكل نام، شيلت شنطتي وفتحت باب الأوضة بالراحة.
عديت من قدام أوضة أحفادي ووقفت لحظة أبص عليهم وهما نايمين. قلبي وجعني وكنت هسيب الشنطة وأرجع، لكن افتكرت إني لو فضلت، هفضل طول عمري مجرد خدامة في البيت ده.
دخلت المطبخ، لقيت المواعين اللي سابوها بعد العشا لسه في الحوض وفوطة التنضيف مرمية على الرخامة.
مسكت الفوطة وطبقتها وحطيتها مكانها وبصيت للمواعين وسكت.
لأول مرة من تلات سنين، قررت أسيبها زي ما هي.
وبعدين عديت من قدام باب الشقة وبصيت ناحية السلم اللي أحمد كان عايزني أمسحه.
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت لنفسي: الليلة دي يا أحمد، شوف مين هيمسحلك السلم.
فتحت الباب بالراحة وخرجت وقفلت ورايا.
نزلت السلم درجة درجة وأنا شايلة شنطتي بإيد وماسكة الدرابزين بالإيد التانية ودموعي بتنزل على خدي.
لكن الغريب إني كل ما كنت أنزل درجة، كنت أحس إن حمل تقيل بيتشال من على صدري.
خرجت من العمارة ووقفت في الشارع الهادي وخدت نفس طويل.
كانت الساعة قربت على اتنين بعد نص الليل والجو بارد والشارع شبه فاضي.
وقفت تاكسي وحطيت شنطتي جنبي ولما السواق سألني: على فين يا حاجة؟، قلتله عنوان شقتي القديمة.
الشقة اللي كنت فاكرة إني سبتها علشان أعيش وسط أهلي واللي اكتشفت بعد تلات سنين إنها كانت أرحم بيا من بيت ابني.
طول الطريق كنت ماسكة شنطتي بإيدي الاتنين وخايفة على الورق اللي جواها أكتر من خوفي على نفسي.
ولما وصلت، طلعت المفتاح القديم من شنطتي وفتحت الباب.
ريحة البيت القديم دخلت صدري وافتكرت كل حاجة، أيام جوزي وضحكة أحمد وهو صغير والسنين اللي عدت علينا بحلوها ومرها.
دخلت وقفلت الباب وحطيت شنطتي على الأرض وقعدت على أول كرسي قابلني.
وقتها بس حسيت إني رجعت بيتي.
لكن اللي مكنتش أعرفه إن خروجي من بيت أحمد في الليلة دي ماكانش نهاية الحكاية، ده كان بدايتها.
لأن ابني لما صحي الصبح وملقانيش، حصلت حاجات عمري ما كنت أتخيلها ولما عرف بعد كده سر الملايين اللي كانت معايا، عمل تصرف خلاني أقف قدامه مذهولة ومش مصدقة إن ده نفس الابن اللي ربيته بإيدي.
ومي الصبح طلع، وبدأت أشعة الشمس تدخل من شباك الشقة القديمة، الشقة اللي هجرتها تلات سنين ورجعتلها كأنها حضن أم دافي بيلمني بعد غربة وكسرة قلب.
كنت تعبانة، جسمي كسران من كتر الوقفة والضغط العصبي، ودموعي كانت ناشفة في عيني، بس جوه صدري كان فيه إحساس غريب بالسلام.. إحساس أول مرة أحسه من زمان، إحساس إن “كرامتي” رجعت لمكانها وإن أخيرًا بقيت بني آدمة مش خادمة.
أول حاجة عملتها إني شربت كوباية شاي بالنعناع، وقعدت على الكرسي القديم أتأمل أركان الشقة. التراب كان مالي المكان، والأثاث عليه طبقة خفيفة، بس بالنسبة لي كان أنضف وأطهر بكتير من قصر ابني اللي داس فيه على كرامتي. فتحت الشنطة، طلعت ورق الميراث، وبصيت عليه مرة تانية وتأكدت إنه في جيب أمين معايا، وبعدين نمت على سريري القديم نومة عميقة من غير ما حد يصحيني بصوت عالي أو يطلب مني طلبات ملهاش أول من آخر.لكن في الناحية التانية.. في بيت أحمد، كانت الكارثة بدأت.
الساعة كانت دخلت على عشرة الصبح. أحمد صحي كالعادة وخرج من أوضته بكسل، وهو بينادي بصوت عالي كعادته:



