روايات وقصص

ابني كان كل ما يقعد ياكل 1

يا أمي.. يا أمي إنتي فين؟ الفطار لسه مجاش ولا إيه؟ والعيال ورطتهم في المدرسة ولا لسه؟!
محدش رد.
دخل المطبخ.. ملقاش الفطار جاهز، والمواعين بتاعت بالليل لسه زي ما هي في الحوض، وفوطة التنضيف مكانها. استغرب، وراح ناحية أوضتي، فتح الباب مفاجأة وقال بنبرة عتاب:

إيه يا أمي للدرجة دي تعبانة.. نايمة لحد دلوقتي؟!
عينه وقعت على السرير.. السرير فاضي ومرتب، شنطة هدومي القديمة مش موجودة، وأدويتي اختفت، حتي صورة ابوه اللي كنت حطاها على الكومودينو مش موجودة.
وقف أحمد في نص الأوضة مذهول، ونادي مراته بصوت فيه رزع:

داليا! داليا تعالي هنا بسرعة!
جت داليا وهي بتقول ببرود: في إيه يا أحمد بتزعق على الصبح ليه؟ أمك مجابتش الفطار؟

أمي مش هنا!

يعني إيه مش هنا؟ راحت فين يعني؟ تكونش نزلت تجيب عيش؟

عيش إيه! شوفي الدولاب.. هدومها مش موجودة.. شنطتها اختفت.. الدوا بتاعها مش هنا!
جريت داليا على الأوضة بصت لقت الهدوم فعلا ناقصة، وقالت بشوية قلق:

غريبة! يعني إيه مشت؟ راحت فين وهي لا تروح هنا ولا هنا لوحدها؟ تكونش راحت عند خالتك ولا حد من قرايبك؟

قرايب مين! أمي ماليش غيري في الدنيا!
طلع أحمد فجأة برة الشقة ووقف قدام باب الشارع، ولسه باصص على السلم، فافتكر الموقف اللي حصل بالليل لما قالها: “أومال إنتي قاعدة عندنا بتعملي إيه؟ فاكراني فاتحهلك لوكاندة؟!”. الكلمة نزلت على دماغه زي الصاعقة. حس إن دمه اتجمد في عروقه. جري على تحت وسأل البواب:

يا عم حسن، شوفت أمي وهي طالعة الصبح بدري؟
البواب بص له بستغراب وقال:

أمك مين يا باشا؟ الحاجة صبحت عليك امبارح بليل وهي ماشية بشنطتها.

ماشية بشنطتها إمتى؟! وبقالها فين؟

الساعة اتنين بالليل ياباشا.. نزلت سلمت عليا وهي منزلة راسها، ووقفت لها تاكسي وركبت. ولما سألتها على فين، قالت لي رايحة بيتها القديم.
أحمد حس إن الأرض بتميد بيه. ساب البواب وطلع يجري على الشقة وهو بيترعش. دخل لمراته وقال بصوت مكبوت ومرعوب:

مشيت يا داليا.. أمي مشيت.. سبت البيت بالليل لوحدها.. البواب شافها وهي راكبة تاكسي ورايحة شقتها القديمة.

طيب وفيها إيه يعني؟ ما تروح تجيبها.. هي تلاقيها زعلت من كلمتين بليل، بكرة تهدى وتجيبها تاني، ما إنت عارفها طيبة وبتنسى!

إنتي مش فاهمة يا داليا.. أمي مابتسيبش بيتي بالساهل، أمي استحملت كتير، وأنا.. أنا جرحتها أوي إمبارح.
اتصل أحمد برقم تليفوني.. التليفون كان بيرن، بس أنا كنت قافلاه خالص، لأني مكنتش عايزة أسمع صوت حد فيهم.
قعد أحمد تلات أيام على الأكل مش عارف ياكل، وكل ما يمر قدام أوضتي يفتكر كلامه معاها، ويندم ندامة العمر كله. داليا بدأت تزهق من الشغل ومن العيال ومن المطبخ اللي رجع على راسها لوحدها، فبقت تضغط على أحمد:

بقولك إيه يا أحمد، السلم اتبهدل، والعيال عايزين لبس، وأنا تعبت من الشغل.. روح هات أمك وخليها ترجع، مش كفاية اللي إحنا فيه ده!
في اليوم الرابع، مكنش أحمد قادر يستحمل أكتر من كده. أخد عربيته وطلع جري على شقتي القديمة. وصل قدام الباب، وقف قلبه وهو بيخبط بإيده الإتنين على الباب بعنف، وهو بينادي بصوت مزلزل مليان دموع:

يا أمي! افتحي لي يا أمي.. وحياة أغلى حاجة عندك افتحي! أنا عارف إني غلطت في حقك.. أنا ندمان أوي، سامحيني يا أمي!
كنت واقفة جوه سامعة صوته وعياطه، قلبي كان هيحن.. الأم بطبيعتها قلبها حنين وبتسامح بسهولة، بس وقفت قدام مراية وفكرت في نظرة الاستخفاف اللي بصدهالي هو ومراته، وقررت إني مش هفتح بالساهل، ولازم يعرف إن الكرامة مش رخيصة.
فضلت ساكتة ومردتش، وهو فضل يخبط ويعيط لحد ما الجيران طلعوا على صوته وبقوا يبصوا له باستغراب. لما لقى مفيش فايدة، قعد على عتبة باب الشقة من بره، حط إيده على راسه، وفضل يعيط زي الأطفال ويقول:

سامحيني يا أمي.. والله ما كنت حاسس بنفسي ولا عارف أنا بقول إيه.. تعالي رجعيلي وخديني تحت رجليكي!
فضلت قاعد بالساعات على الباب لحد ما الليل جه ومشي وهو مكسور ومنكسر.لكن الصدمة الحقيقية الكبيرة مكنتش في رجوعه وعياطه.. الصدمة بدأت لما السر ظهر.
بعد مرور أسبوعين على قعدتي في شقتي، كان المحامي بتاعي متصل بيا عشان نيجي نمضي الأوراق النهائية وتتحول الفلوس فعلا على حسابي البنكي. نزلت مع المحامي، وخلصنا كل الإجراءات القانونية، وبقى في حسابي مبلغ يفوق الملايين اللي كنت أتخيلها في أحلامي.
وأنا راجعة من عند المحامي، قررت أعدي على محل جزارة كبير أشتري لحمة وأكل كويس، ولما نزلت من التاكسي قدام الشارع بتاعي، كنت ماشية بشنطتي ومعايا كيس فيه طلبات. وفجأة.. لقيت عربية أحمد واقفه قدام البيت، وأحمد واقف مستنيني قدام الباب ووشه أصفر وعينه حمرا من كتر العياط والسهر.
أول ما شافني، جري عليا بسرعة، ونزل على ركبه قدامي في الشارع، ومسك إيدي وباسها وهو بيعيط بحرقة:

يا أمي! الحمد لله إنك عايشة.. أنا كنت بموت من غيرك! تعالي معايا والنبي، البيت من غيرك ظلمة وأنا مابقيتش عارف أعيش.. داليا كمان ندمانة وبتسلم عليكي.. حقك عليا، اغفريلي يا أمي!
بصيت له بابتسامة هادئة، وقلت بصوت ثابت أول مرة يسمعه مني:

قوم يا أحمد.. الدم ميرجعش مية، والكرامة لما بتتباس من على الأرض مابتتردش بالساهل.

يا أمي عشان خاطر أبويا.. عشان خاطر السنين اللي ربيتيني فيها..

أبوك الله يرحمه لو كان عايش كان زعل قوي على العمايل اللي عملتها فيا.. إنت طردتني يا أحمد.. إنت قلتلي “فاتحلك لوكاندة”.. إنسى إن الأم اللي إنت كنت بتعتبرها خدامة ترجع لبيتك تاني.
في اللحظة دي، وبالصدفة البحتة، كان فيه شخص واقف على الناصية التانية.. شخص كان بيراقب أحمد من فترة، وهو “سمير”، واحد من أقاربنا البعيدين اللي كان شغال في نفس المكان اللي المحامي فيه، وكان عارف بالموضوع من بعيد، وجه جري على أحمد وقال بشماتة:

بتعيط على أمك ليه يا أحمد؟ ما إنت طردتها.. بس صحيح، إنت متأكد إن أمك دي ست فقيرة قاعدة تاكل وتشرب في بيتك ببلاش زي ما كنت بتعاملها؟!
أحمد بص لسمير بغضب وقال:

إنت بتقول إيه يا بني آدم إنت؟ ابعد عني دلوقتي!

لا ما أنا لازم أقولك يا ابن عمتي.. أمك اللي كنت مهينها ومقعدها تمسحلك السلم، لسه خارجة دلوقتي من مكتب أكبر محامي في المحافظة.. أمك بقى معاها ملايين الجنيهات يا حبيبي! ورث قد كدا اتقسم ليها لوحدها.. دي بقت أغنى من الناس اللي في الشارع كلهم!
أحمد اتجمد في مكانه.. بص لسمير، وبعدين بص ليا، وعينه كانت بتبرق من صدمة الخبر. حس كأن صاعقة ضربت دماغه. الملايين.. أمي اللي كان ماسح بكرامتها الأرض عشان مش معهاش فلوس.. معاها ملايين الجنيهات؟!
قرب أحمد مني بخطوات بطيئة، ووجهه بيلون، وقال بصوت مكسور ومرجوف:

أمي.. الكلام.. الكلام اللي الراجل ده بيقوله.. صح؟
بصيت له بثقة وهدوء، وفتحت الشنطة الصغيرة اللي كنت ماسكاها، وطلعت منها أوراق الميراث الرسمية وورقة الحساب البنكي، وورتهالهيا قدام عينه وقلت بهدوء تام:

أيوة يا أحمد.. صح.. ربنا افتكرني بعد العمر ده كله، وبعتلي اللي يكفيني ويزيد.. الفلوس دي كانت كلها هتدخل بيتك، وكانت هتسد ديونك وتأمن مستقبل عيالك وتجيبلك أكبر شقة.. بس للأسف.. إنت بنفسك اخترت تطردني، وتقولي “قاعدة بتعملي إيه؟”… أهو.. أمك اللي قاعدة عندك ببلاش.. دلوقتي بقت تقدر تشتري العمارة اللي إنت ساكن فيها باللي فيها!
ساعتها.. أحمد وقع على الأرض قدامي، وحط إيده على راسه، وفضل يصرخ بصوت عالي ويبكي بحرقة ندم عمره كله، ومراته داليا اللي كانت واقفة في البلكونة القريبة وسامعة الكلام، طلعت تجري في الشارع وهي مصدومة وعنيها طايرة من الخضة، ووقفت جنبي تطبل على صدرها وتقول:

يا حاجة.. يا حماتي الغالية.. ده إحنا بنهزر معاكي! ده البيت بيتك وعنينا ليكي!
بصيت لداليا بابتسامة سخرية، ولميت ورقي في الشنطة، وقفلتها، ومشيت بخطوة ثابتة ودخلت بيتي القديم وقفلت الباب في وشهم هما الاتنين، وأنا سامعة صريخ أحمد وهو بينادي اسمي في الشارع.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى