منوعات

حكايات اسما 1

— “أنت… أنت بتقول إيه يا بابا؟! بتهزر صح؟! حورية؟! دي.. دي بتعرف تحلب الجاموسة! دي بنت الفلاحين اللي…”
قاطعه عمه بصوت صارم هز أركان البيت، صوت عمره ما طلع بيه قبل كده:
— ” اخرس! عيب، دي بنت عمك، وعرضك، والأمانة اللي أبوها سابها في رقبتي. اسمعني كويس يا عاصم، أنت من ساعة ما سافرت برة تكمل ماجستيرك وأنت راجع باصص للناس من فوق، شايف نفسك رجل أعمال ودكتور، وناسي إن أصلك منين، وناسي مين أصلاً اللي دفع مصاريف كليتك في أول سنتين لما كنت تايه ومش عارف تفتح عيادتك! فلوس أبوك الله يرحمه خلصت من زمان، واللي وقف جنبك وفتحلك باب السفر والبعثة هو عمك.. أبو حورية!”
مراته (مرات عمه) نطت من مكانها بذهول وصدمة، ووقفت قدام جوزها ووشها أصفر:
— “أنت.. أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟! فلوس مين اللي دفعتها عشان الكلية؟! وكنت بتصرف على البت دي من ورايا؟! وبتكدب عليا وتقولي عند أهل أمها؟! يعني كنت بتدفع مصاريفها وهي في الكلية من جيبنا؟! وجايبها تكسر عيني قدام أختي وابنها؟!”
عمي بص لها نظرة كرهتني فيها أكتر، نظرة كلها قهر وتحسر:
— “كنت بصرف من حق أخوي اللي سابه لي، ومن تعبي، وعمر ما قرش دخل البيت هنا اتحط في جيب حورية ظلم. ولولايا، كانت البت دي ضاعت بين كرهك وجبروتك. كنتي عاوزة تدفنيها وهي عايشة عشان توفري الجنيه! بس ربك أراد، حورية بقت أحسن منك ومن ابنك.”
في اللحظة دي، مكنش ينفع أفضل ورا الباب أكتر من كده. خطوت بخطوات ثابتة، ورفعت راسي لفوق. مكنش فيه مكان للدموع خلاص.. الدموع خلصت ورا الباب. دخلت الصالة، وعيني جت في عيون عاصم مباشرة.
الشفقة والاستهزاء اللي كانوا في عيونه الأول اتقلبوا لصدمة مرعبة. كان بيبصلي كأنه لأول مرة يشوفني بجد. لبسي البسيط، وهدوئي، والطريقة اللي وقفت بيها قدامه، خلوه يتراجع خطوة لورا غصب عنه.
— “دكتورة.. حورية؟” نطقها بصوت مهزوز ومرتجف، كأن الكلمة واقفة في ضهره ومش قادر يبلعها.
بصيتله بابتسامة خفيفة مليانة ثقة:
— “أومال مفكر إيه يا دكتور عاصم؟ هو الجاهل بس هو اللي بيعرف يمسك السماعة ويكتب روشتة؟ ولا يمكن مفكر إن النجاح حكر على الناس اللي بتسافر برة وتنسى أصلها وناسها؟”
مرات عمه جرت ناحيتي وعيونها بتشرر شرار، وكانت رافعة إيدها عشان تضربني بالقلم زي متعودة زمان لما كنت صغيرة وضعيفة:
— “يا بنت الكلب.. يا واطية، بتكلمي ابن عمتك كده؟!”
بس إيدي سبقتها.. مسكت معصمها بقوة، وقبل ما تنطق بحرف، نزلت إيدها بهدوء بس بحزم يمنع أي تطاول تاني. نظراتي ليها كانت أقوى بكتير من أي ضربة.
— “خلاص يا مرات عمي.. زمن الضرب والذل خلص من سنين. البت اللي كنتي بتبعتيها تحلب الجاموسة عشان تضيع وقتها وما تذاكرش، هي اللي النهاردة تقدر تمضي بقرار واحد على قبول أو رفض أي حالة تدخل أكبر مستشفى في البلد.. بما فيهم المستشفى اللي ابنك رايح يموت نفسه عشان يشتغل فيها.”
عاصم حس الأرض بتميد بيه. بص لأبوه بندم وعجز، وقال بصوت منكسر:
— “بابا.. أرجوك.. فهمني.. يعني إيه؟ يعني هي وافقت عليا وأنا بكلمها بالطريقة دي؟ يعني إيه كتب كتابنا من سنين وهنبقى لبعض وهي بالسطوة دي وأنا مش عارف؟”
عمي اتنهد بعمق، وقعد على الكرسي كأن الحمل اللي كان على كتافه من سنين نزل أخيرًا، وقال:
— “أنا مَاجبرتِش حورية على حاجة، أبوها وهو بيموت طلب مني أكتبها لك، وكان عارف تربية أخوه وعارف إنك هترجع يوم وتندم.. لكن للأسف، أنت طلعت أصغر بكتير من الأمانة اللي سابها لك.”
لفيت وشي لبست عبايتي الشيك البسيطة اللي كنت لابساها تحت الجلابية القديمة اللي كنت مخبياها بيها، وبصيت لعاصم نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر قديمة:
— “كتاب الكتاب ده.. اتكتب وأنا طفلة ماليش حد، وكنت فاكرة إنك السند اللي هرجمله لما أبواب الدنيا تقفل في وشي. لكن لما رجعت، عرفت إن السند الحقيقي هو اللي ربنا يزرعه في طريقك وقت الكسرة.. زي عمي الله يخليه ليا.”
بصيت لعمي بحب، وكملت:
— “الفاتحة يا عمي.. اخلص من الوعد ده، أنا مش هقبل أتزوج واحد مش شايفني غير بالمنظر اللي رسمه في خياله.. أنا حورية، ومستقبلي واسمي أكبر بكتير من إني أرتبط بواحد زيه.”
عاصم صرخ بجنون:
— “لا! مستحيل! إنتي بتاعتي.. أبوكي وصى..!”
قاطعته بكل برود وأنا ماشية ناحية الباب:
— “أبويا وصى علي إنسان راجل.. مش على متكبر بيحتقر بنت عمه وهي نايمة على الكتب بتشقي وتتعب لوحدها.. سلام يا دكتور عاصم.. ابقي سلم لي على الفرخة والبطة!”
طلعت وسيبت ورايا بيت كله صدمات وصراخ وندم مالوش أي معنى. نزلت الشارع، والهوا النقي ضرب وجهي. حسيت إني ولدت من جديد.. بس النهاردة، أنا مش بنت الجاموسة.. أنا الدكتورة حورية، صاحبة القرار.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى