
رجعت بيتي في نص الليل. البيت كان فاضي وساكت. بنتي كانت قاعدة في الصالة خايفة ومستنياني. حضنتها وبكيت بكل قهر. بس قبل ما النهار يطلع، تليفوني رن.
كان رقم غريب.
فتحت الخط، وسمعت صوت راجل بيكلمني بنبرة حادة وتهديد واضح:
— مدام هبة… فاكرة إن الموضوع خلص لما جوزك وأخته اتقبض عليهم؟ الفلوس اللي جوزك سرقها مني باسم مشروعك مش قليلة… ولو الأوراق دي مجهتليش خلال 24 ساعة، القضية مش هتوقف عند جوزك… عيلتك كلها هتدفع التمن.
مسكت التليفون وإيدي بتترعش، الصوت كان بارد وتقيل، وراه نبرة واحد مش بيخاف من قانون ولا شرطة.
رديت بصوت محشور بالعافية:
— إنت مين؟ وعايز مني إيه؟ أنا ماليش دعوة بأي حاجة، أنا كنت مخدوعة زيي زي أي حد!
الراجل ضحك ضحكة مكتومة وسخرية:
— مخدوعة أو مش مخدوعة، ده كلام تقوليه في النيابة يا مدام هبة. بس اسمك هو اللي منور على العقود والشيكات المكسورة عليّ. جوزك أخد مني مبلغ وقدره بحجة إنه بيوسع مشروع الأكل البيتي اللي باسمك، ولما جيت أطالب بحقي، حاول يفرقعلي الأوردر المسموم عشان يلبسني مصيبة ويخلص مني.. بس ربك كبير. أنا قدامي 24 ساعة، يا الفلوس والعقود الأصلية اللي مع البنت الشاهدة توصلني، يا إما بكرة الصبح هيكون فيه بلاغ جديد بشيكات بدون رصيد باسمك إنتِ شخصيًا.. وساعتها مش هتعرفي تخرجي منها بضمان محل إقامة.
الخط اتأفل.
قعدت على الأرض في الصالة، وبنتي جريت عليّ وهي بتعيط ومسكت في حضني. الدنيا كانت بتضيق بيا بشكل مرعب. الراجل ده مش بس شريك جوزك، ده راجل واصل ومعاه أوراق حقيقية بصمتي وتوقيعي مزورين عليها بنفس الخط والأسلوب اللي جوزك كان بيستغله طول السنة اللي فاتت.
أول ما الشمس طلعت، أخدت بنتي ووديتها عند أمي عشان أأمنها، وكلمت البنت العاملة — كان اسمها “رحمة” — واتقابلنا في كافيه صغير بعيد عن منطقتنا.
أول ما قعدت، رحمة كانت باينة عليها الخوف، بس عيونها فيها إصرار غريب.
قلت لها بصوت مخنوق:
— رحمة.. الراجل الشريك اتصل بيا وهددني، عايز العقود اللي معاكي، وبيقول إنه معاه شيكات باسمي. إنتِ ليه بتساعديني؟ وإيه اللي بينك وبين جوزي وأخته من الأول؟
رحمة سكتت شوية، وبعدين حطت إيدها على إيدي وقالت:
— مدام هبة.. أنا أخت الشاب اللي محجوز في المستشفى بسبب الأكل المسموم! أخويا كان شغال سواق توصيل مع الشريك ده، ولما الأوردر طلع، أخويا أكل منه ودخل العناية المركزة بين الحياة والموت.. أنا دخلت اشتغلت في مكان أخت جوزك من 6 شهور مخصوص عشان أدور على الحقيقة وأعرف مين اللي بيلعب بالناس.. ولما عرفتك وعرفت إنك طيبة ومخدوعة، قررت إني مش هسيبك تروحي في الرجلين.
دموعي نزلت، ورحمة طلبت ملف تاني من شنطتها وحطته قدامي:
— العقود اللي مع الشريك دي أوراق صورية، جوزك مكانش بيشتغل لوحده.. أخت جوزك متجوزة عرفي من راجل كبير في سوق التوريدات، وهو اللي كان بيسهل لهم يبيعوا الأكل للمطاعم والشركات، وهو نفسه اللي زور توقيعك على الشيكات!
في اللحظة دي، تليفون رحمة رن.. بصت للشاشة ووشها اتغير تمامًا.
قالتلي بصوت واطي ومذعور:
— ده الضابط اللي ماسك القضية.. وبيقول إن أخت جوزك اعترفت في النيابة بحاجة جديدة هتسقل موقفك أنتِ بالذات!
سألتها برعب:
— اعترفت بإيه؟!
رحمة بلعت ريقها وقالت:
— قالت إن المواد اللي كانت بتحطها في الأكل.. كانت بتاخدها من علب بيضاء إنتِ بنفسك كنتِ بتبعتيهالها مع صواني الأكل كل خميس!



