
وفاء ما اتحركتش.
ـ أنا مش بلعب.
ـ إنتي فاكرة إنك لما جبتي محامي واتنين ورق هتقدري تقفي قدامي؟
ردت:
ـ لأ.
وسكتت.
ـ أنا واقفة قدامك من غير ما أخاف.
الجملة دي خلته يسكت.
المحامي قال:
ـ يا جماعة، أنا جاي النهارده علشان أوضح الحقوق، مش علشان تحصل مشكلة.
عصام بصله:
ـ يعني هي عايزة تطردنا؟
وفاء قالت:
ـ أنا ما قلتش كده.
ـ أمال إيه؟
ـ أنا عايزة أخرج من البيت.
عصام ضحك.
ـ تخرجي؟
ـ أيوه.
ـ بعد كل اللي عملناه علشانك؟
وفاء بصتله بنظرة طويلة.
ـ اللي عملتوه علشاني؟
صوتها بدأ يرتعش.
ـ إنت فاكر إني نسيت؟
وسكتت.
ـ كل مرة كنت تؤذيني فيها.
ـ كل مرة كنت تمنعني من الأكل.
ـ كل مرة كنت تقف قدام أمي وتقول لها إني قليلة الأدب.
ـ وكل مرة كنت أبص لأمي مستنية منها كلمة واحدة تقول لي فيها “كفاية”.
بصتلي.
ـ وكانت بتقول لي: اسمعي كلام أخوكي.
أنا انفجرت في العياط.
ـ سامحيني.
وفاء قالت:
ـ أنا مش جاية أسمع اعتذار.
سكتت لحظة.
ـ أنا استنيت الاعتذار ده وأنا عندي عشر سنين.
وبعدين عند خمستاشر.
وبعدين عشرين.
وفي كل مرة كنتي بتقولي بكرة يتغير.
أنا حطيت إيدي على وشي.
ـ غلطت.
قالت:
ـ أيوه.
ـ أنا كنت خايفة أزعله.
وفاء ردت:
ـ وأنا كنت بخاف منه.
سكتنا إحنا الاتنين.
وفاء قامت ودخلت أوضتها.
بعد شوية رجعت بشنطة صغيرة.
عصام بص لها:
ـ رايحة فين؟
ـ هقعد عند خالتي.
ـ لأ.
وقفت.
ـ إيه؟
ـ مش هتخرجي.
بصتله بثبات:
ـ إنت مش صاحب القرار.
عصام مد إيده يمسك الشنطة.
وفاء سحبتها منه.
ـ إياك تلمسني.
هو اتراجع.
يمكن لأنه لأول مرة شاف إن مد إيده عليها مش هيخليها تسكت.
المحامي وقف.
ـ أنا هكون موجود لو احتجتوا أي إجراء قانوني.
وبعدين بص لوفاء:
ـ خليكي على تواصل معايا.
خرج.
وفاء لبست طرحتها.
أنا جريت وراها:
ـ هتسيبيني؟
وقفت عند الباب.
ـ إنتي اللي سيبتيني الأول.
وخرجت.
عدى أسبوع.
الشقة بقت غريبة من غير وفاء.
مكانها على السفرة فاضي.
أوضتها مقفولة.
وعصام بقى قليل الكلام.
الغريب إنه لأول مرة بدأ يعمل حاجات كانت وفاء بتعملها.
يغسل طبق.
يحط هدومه في الغسالة.
ينزل يجيب عيش.
وفي ليلة رجع من الشغل، حط كيس أكل على الترابيزة.
وقال:
ـ أمي.
ـ نعم؟
ـ هي وفاء هترجع؟
بصيتله.
ـ مش عارفة.
قعد قدامي.
ـ أنا غلطت.
الكلمة خرجت منه بصعوبة.
أنا سكت.
قال:
ـ أنا مش فاكر إمتى بقيت بالشكل ده.
قلت:
ـ من زمان.
هز راسه.
ـ كنت فاكر إنها ضعيفة.
قلت:
ـ وإنت كنت بتستقوى عليها.
فضل ساكت.
وبعدين قال:
ـ أنا كنت فاكر إنك بتحبيني أكتر علشان كنت ابنك.
قلبي وجعني.
ـ كنت بحبك بطريقة غلط.
قال:
ـ وإنتي أذيتها علشاني.
نزلت دموعي.
ـ عارفة.
قال:
ـ لو رجعت… هتسامحنا؟
مقدرتش أجاوب.
لأني كنت عارفة إن السؤال مش بإيدي.
بعد أسبوعين، وفاء اتصلت.
أول ما سمعت صوتها، دموعي نزلت.
ـ عاملة إيه يا بنتي؟
قالت:
ـ كويسة.
ـ هترجعي؟
سكتت.
ـ أنا عايزة أشوفك.
قلبي دق بسرعة.
ـ تعالي.
قالت:
ـ مش في البيت.
اتوجعت.
ـ ليه؟
ـ عشان أنا مش جاهزة.
قلت:
ـ طيب أجيلك.
ـ لأ.
ـ ليه؟
قالت:
ـ عايزة أقولك حاجة الأول.
ـ قولي.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
ـ أنا قدمت على شغل.
ابتسمت رغم دموعي.
ـ ربنا يوفقك.
قالت:
ـ وبدأت أتعلم أعيش لوحدي.
ـ أنا فخورة بيكي.
ضحكت ضحكة صغيرة.
ـ أول مرة أسمعها منك.
الكلمة وجعتني.
ـ سامحيني.
قالت:
ـ أنا بحاول.
ـ هترجعي البيت إمتى؟
قالت:
ـ لما أحس إني مش هرجع علشان أخاف.
سكت.
ـ هرجع علشان أنا عايزة أرجع.
وقبل ما أقفل، قالت:
ـ وفي حاجة تانية.
ـ إيه؟
ـ روحي شوفي المخزن.
اتجمدت.
ـ ليه؟
قالت:
ـ هتعرفي.
وقفلِت.
أنا وعصام نزلنا المخزن تاني يوم.
الباب كان لسه عليه القفل القديم.
عصام فتحه.
دخلنا.
ريحة الرطوبة كانت لسه موجودة.
بس أنا كنت شايفة المكان بشكل مختلف.
شفت الركن اللي كانت قاعدة فيه.
شفت الحيطة اللي كانت مسنودة عليها.
شفت الأرض اللي نامت عليها.
وفجأة لمحت حاجة تحت رف خشب.
قطعة قماش صغيرة.
قربت منها.
كانت هدوم وفاء.
وفي جنبها زجاجة مية فاضية.
عصام وقف مكاني.
قال بصوت مكسور:
ـ أمي…
ـ نعم؟
ـ أنا عملت إيه؟
بصيت له.
ـ اللي عملته لا يُنسى.
قعد على الأرض.
ولأول مرة شوفته بيعيط.
مش عياط علشان اتخانق مع حد.
ولا علشان خسر فلوس.
كان بيعيط زي طفل.
ـ أنا كنت فاكر إني راجل.
قلت:
ـ الراجل مش بيستقوى على أخته.
هز راسه.
ـ عارف.
وبعدين قال:
ـ لازم نصلح ده.
قلت:
ـ لو هي قبلت.
قال:
ـ حتى لو ما قبلتش.
بصيتله.
قال:
ـ أنا لازم أعتذر لها.
بعد كام يوم، روحنا لخالتي.
وفاء كانت قاعدة في الصالة.
لما شافتنا، قامت.
عصام وقف بعيد عنها.
ولا قرب.
ولا مد إيده.
ولا حاول يفرض نفسه.
قال:
ـ أنا جاي أقولك حاجة.
وفاء سكتت.
ـ أنا آسف.
بصتله.
ـ آسف على إيه؟
بلع ريقه.
ـ على كل حاجة.
سكت.
ـ على كل مرة أذيتك فيها.
ـ على كل كلمة قلتها.
ـ على إني كنت بأخد منك فلوس أو حاجات تخصك.
ـ وعلى اللي حصل في المخزن.
صوته انكسر.
ـ أنا عارف إني لو قعدت أعتذر سنة مش هقدر أصلح اللي عملته.
وفاء كانت ساكتة.
قال:
ـ بس أنا مش طالب منك تسامحيني دلوقتي.
وفاء سألت:
ـ أمال عايز إيه؟
قال:
ـ عايز فرصة أثبتلك إني فهمت.
وفاء بصتله شوية.
وقالت:
ـ الفرصة دي مش عندي لوحدي.
ـ عند مين؟
ـ عند الزمن.
سكت.
وبعدين قالت:
ـ أنا مش هنسى.
عصام هز راسه.
ـ وأنا مش عايزك تنسي.
الجملة دي خلت وفاء تتأثر.
لكنها ما قالتش سامحتك.
ولا حضنته.
ولا قربت منه.
قالت:
ـ لو عايز تصلح، ابدأ بحاجة واحدة.
ـ إيه؟
ـ اعترف لماما قد إيه أنا اتأذيت بسببك.
عصام بصلي.



