
حمدي وشه اتغير من الضحك والشماتة للتأوه، وبدأ يصرخ بالراحة وهو بيحاول يسحب إيده:
“إيه ده.. سيب إيدي يا جدع أنت! أنت اتجننت ولا إيه؟ سيب إيدي يا مجنون!”
لكن صلاح ما سابش إيده، بالعكس، قام وقف بطوله، وفجأة ظهر إنه أطول وأعرض بكثير من شكله وهو موطي وضهره محني بالهدوم المقطعة. ظهرت هيبته اللي كانت مخفية ورا شعر دقنه ونكشة شعره. صلاح بص في عين حمدي بنظرة استحقار وثبات ورفع صوته، بس المرة دي صوته مكنش الصوت الحاد والطفولي اللي متعودين عليه، كان صوت رجالي، عميق، وقوي زلزل الحارة كلها:
“المجنون ده.. هو اللي هيربيك ويربي أمك وأختك اللي واقفين يقلوا أدبهم على أسيادهم!”
الشارع كله سكت. الميكروفونات اللي كانت شغالة، أغاني الفرح، الضحك والتريقة، كل حاجة وقفت في لحظة واحدة. الناس كلها بصلت لصلاح بذهول، أمه وأخته وشهوم اصفر وزي ما يكون لسانهم اتعقد، وأبويا وقف في مكانه مش مصدق اللي بيسمعه ولا اللي بيشوفه.
حمدي وشه جايب ألوان من الألم ومن الصدمة وقال بصوت برعشة:
“أنت.. أنت بتتكلم إزاي كده؟! أنت مش مجنون؟!”
صلاح ضغط على إيد حمدي زيادة لحد ما حمدي نزل على ركبه في الأرض قدام الكوشة قدام أهل المنطقة كلهم، وصلاح توطى عليه وقاله بصوت مسموع للكل:
“أنا عاقل أكتر منك ومن اللي خلفوك يا ندل! أنا صلاح عبد الرحمن.. الظابط اللي بقالي سنتين غايب عن منطقتكم وفي مهمة سريّة مع الأمن العام عشان أوقع أكبر شبكة تهريب وتجارة سموم في المنطقة، الشبكة اللي أنت وأختك وجوزها متورطين فيها للرقبة!”
الصدمة كانت زي الصاعقة نزلِت على رأس حمدي وأمه وأخته. أمه صرخت وحطت إيدها على قلبها، وأخته رجعت لورا بخوف وهي بتبص حواليها. صلاح كمل كلامه وهو باصص لحمدي اللي وشه بقا أبيض زي الفرخة المبلولة:
“فاكر لما كنت بتيجي للست والدتي الغلبانة في البيت، وتقولها ابنك المجنون رمى أكل على باب بيتي، وتاخد منها فلوس وتستغل إنها ست كبيرة ومكسورة الحيلة؟ فاكر لما كنت بتيجي تشتكي لأبويا الله يرحمه قبل ما يموت وتقول ابنك خطر على المنطقة؟ أنا كنت عامل نفسي مش هنا، كنت باكل إهانتكم وسكوتكم وأنا ساكت عشان أجمع كل خيط عن قذارتكم ومستني اللحظة اللي أوقعكم فيها بالقانون. بس النهاردة، أنت جيت لحد عندي ودست على كرامة أنضف وأشرف بنت في الحارة دي، والبنت دي هي اللي كانت بتعطف عليا وتراعي ربنا فيا وأنا في ظروفي دي، وجت اللحظة اللي أرد لها أصلها ونضافتها وأعلمك فيها الأدب!”
في اللحظة دي، صلاح سحب جهاز لاسلكي صغير من جيب جاكيته اللي أهله لبسوهوله، وفتح الجهاز وقال كلمة واحدة:
“قوة.. اتحركوا دلوقتي!”
ما عدتش ثواني معدودة، ولقينا عربيات بوكس وعربيات أمن مركز دخلت الحارة بصوت سرينات يرعب، والشارع كله اتملى بظباط وعساكر . الظباط نزلوا وجريوا على الكوشة، وقدموا التحية العسكرية لصلاح!
الظابط الكبير قرب من صلاح وقال بلهجة احترام كاملة:
“تمت التغطية والقبض على باقي أفراد الشبكة في المخرن يا فندم، وأمر الضبط والإحصار جاهز للمتهم حمدي وأمه وأخته بتهمة التستر والمشاركة في
حمدي بقا يترعش ويبكي زي الأطفال، وقعد تحت رجل صلاح ويقوله:
“سامحني يا صلاح بيه! والله ما اعرف.. والله ما أعرف إنك ظابط! أنا أختي وجوزها هم اللي جروني للحوار ده، أنا ماليش دعوة!”
صلاح زقه برجله بمنتهى القهر والقسوة وقال للعساكر:
“كلبشوه هو وأمه وأخته، وياخدوا واجبهم في التخشيبة لحد ما يتعرضوا على النيابة صباحية ربنا!”
العساكر على حمدي وأمه وأخته، وأمه بقت وتصوت وتترجى الناس يتدخلوا، وأخته بقت تبكي وتغطي وشها من أمام أهل الحارة اللي كانوا بيلطشوا فيهم بالكلام ويهتفوا ضد نذالتهم وشماعتهم اللي اتقلبت عليهم. اتربطوا بالكلابشات وانسحبوا قدام عينيا وعين أبويا وأمي والمنطقة كلها، وخرجوا من الفرح مكسورين عمرهم ما هيسلوها.
أنا كنت قاعدة في الكوشة مش قادرة أتحرك، كله بيترعش، مش مصدقة إن اللي قدامي ده هو نفسه صلاح المجذوب اللي كنت بطلع له حتة الحلوة أو صحن الأكل النظيف. أبويا كان واقف مذهول، عينيه مليانة دموع، بس المرة دي دموع فرحة في نفس الوقت.
صلاح بعد ما القوة مشيت بالمتهمين، لف ورفع راسه وبص لأبويا بثبات وقرب منه، ومسك إيده وباسها وقال له بلهجة مليانة احترام وأصل:
“يا عمي.. أنا آسف إن حطيتك في الموقف ده، وآسف إن يمينك كان هيقع. أنا بقالي سنتين عايش في جحيم وسط القذارة دي عشان شغلي ووطني، والنهاردة ربك أراد إن يمينك ما يقعش على الأرض، وإني أكون العريس اللي يستر بنتك ويصونها، مش عشان حلفانك بس.. عشان بنتك نوال هي الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتشوفني بني آدم وأنا هدومي مقطعة والناس كلها بتهرب مني. أنا طالبتها منك قدام ربنا والناس، وعامل حسابي إن الجوازة دي تكون بجد وحق حقيقي.. لو قبِلت بيا زوج لبنتك.”
أبويا حضن صلاح وبكى بصوت عالي، أمي نزلت من الكوشة وزغردت بصوت هز الحارة كلها، والناس في الشارع بدأوا يصفقوا ويهتفوا باسم صلاح.
صلاح قرب مني، وبصلي بنظرة كلها حنية وشرف، مسك إيدي بالراحة وقال لي بصوت واطي:
“ماتخافيش يا نوال.. القسوة والعذاب اللي شفتيه في حياتك انتفى من الليلة دي، وحقك جالك لحد عندك، واللي جاي في حياتك مش هيكون غير كل خير واحترام.. أوعدك.”
أنا بصيت له ودموعي بتنزل، بس المرة دي دموع راحة وأمل. وقفت جنبه وأنا حاسة إن ربنا جبر بخاطري وخاطر أبويا في أشد لحظة ضعف لينا.
ولكن.. بعد ما الفرح خلص والناس مشيت، ودخلنا البيت عشان نبدأ حياتنا الجديدة، وفضيت الشقة علينا إحنا الاثنين بس.. صلاح قعد على الكرسي، وبصلي بنظرة جادة جداً، وطلع ملف أسود كبير من شنطته وحطه على الترابيزة قدامي وقال لي:
“نوال.. الجزء اللي فات من الحقيقة أنتِ عرفتيه قدام الناس.. بس فيه جزء تاني أقسى وأصعب بكتير لازم تعرفيه دلوقتي عن أبوكِ وعن أسباب طلاقك الحقيقية من حمدي.. افتحي الملف ده وشوفي بنفسك!”


